أدانت المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب جريمة كشوف العذرية القسرية التي تعرّضت لها متظاهرات على يد القوات المسلحة المصرية خلال أحداث ثورة 2011، معتبرةً ما جرى انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية، وتعذيبًا ومعاملةً قاسية ومهينة، وذلك بعد مرور نحو ثلاثة عشر عامًا على الواقعة.
وحمّل الحكم الدولة المصرية المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات، سواء من حيث ارتكابها عبر مؤسساتها الرسمية، أو من خلال الفشل في التحقيق والمحاسبة، بما كرّس سياسة الإفلات من العقاب.
كما أكدت المحكمة أن كشوف العذرية تمثل عنفًا قائمًا على النوع الاجتماعي، وانتهاكًا واضحًا للحق في السلامة الجسدية والخصوصية والكرامة، وفقًا للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وبروتوكول مابوتو.
وكانت قضية كشوف العذرية قد شهدت، في وقت سابق، تطورًا قضائيًا مهمًا على المستوى المحلي، حين حصلت سميرة إبراهيم، إحدى ضحايا الانتهاكات، على حكم من المحكمة الإدارية العليا في مصر يُلزم الحكومة بوقف إجراء كشوف العذرية، ويقرّ بعدم مشروعيتها ومخالفتها للدستور والقانون. ورغم أهمية هذا الحكم، فإنه لم يُترجم إلى محاسبة جنائية للمسؤولين عن الانتهاكات، ما عزّز مناخ الإفلات من العقاب.
في المقابل، سبق أن دافع عبد الفتاح السيسي، حين كان يشغل منصب مدير المخابرات الحربية، علنًا عن إجراء كشوف العذرية، معتبرًا في تصريحات إعلامية أن الهدف منها كان “حماية الجيش” من اتهامات الاغتصاب.
وهي تصريحات أثارت حينها موجة واسعة من الغضب الحقوقي، واعتُبرت تبريرًا رسميًا لانتهاك جسد النساء وتحويله إلى أداة للضبط الأمني والسياسي.
ويُنظر إلى الحكم الأفريقي الأخير بوصفه إدانة مزدوجة: للانتهاكات نفسها، وللمنطق السياسي والقانوني الذي شرعنها أو دافع عنها.
كما يعيد فتح ملف الجرائم المرتكبة بحق النساء خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير، في وقت لا تزال فيه العدالة المحلية غائبة، وتبقى الإدانة الإقليمية بمثابة توثيق تاريخي وحقوقي لجريمة لم تُنسَ.
وفي تعليق على الحكم، قال حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن القرار يمثل ردّ اعتبار متأخرًا لكنه بالغ الأهمية، موجهًا التهنئة للشاكيات على شجاعتهن. وأضاف: “مبروك للشاكيات وتحية لشجاعتهن. هذا رد اعتبار بعد 12 سنة من التقاضي، وإثبات قانوني لجريمة كشوف العذرية التي ارتُكبت في السجن الحربي في مارس 2011، وهي جريمة لم تعترف بها الدولة حتى الآن”.
وأوضح بهجت أن الحكم الصادر في وثيقة رسمية من أكثر من 60 صفحة، والمعتمدة من مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأفريقي، لا يكتفي بإدانة الممارسة، بل يحدد الجريمة والمسؤوليات والمسؤولين عنها بدقة.
وأضاف: “قد لا يعني التعويض، وقدره 100 ألف جنيه لكل ضحية، الكثير من الناحية المادية، لكن لعل في هذه النتيجة ردًا للاعتبار وجبرًا للضرر، وتوثيقًا قانونيًا للتاريخ”.
وفي بيان لها، رحّبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بقرار اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في الشكوى رقم 424/12، التي تقدّمت بها المبادرة بالشراكة مع منظمتي “إنترايتس” و“ريدريس” منذ عام 2012، نيابة عن اثنتين من السجينات السياسيات اللتين تعرّضتا لكشوف العذرية أثناء احتجازهما في السجن الحربي عقب فض اعتصام ميدان التحرير في آذار/ مارس 2011.
وصدر الحكم عنن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وليس المحكمة الأفريقية مباشرة، حيث أن اللجنة هي الجهة التي تنظر في الشكاوى ضد الدول الموقعة على الميثاق الأفريقي.
وأكدت المبادرة أن الحكم يشكّل سابقة أفريقية مهمة، بعدما انتهى إلى إدانة الحكومة المصرية بانتهاك ثمانية من مواد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، واعتبار كشوف العذرية شكلًا من أشكال التعذيب والعنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي، لا يستند إلى أي تبرير قانوني أو مشروع.
كما شدد القرار على فشل السلطات في إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة، وعلى أن إحالة مدنيين إلى القضاء العسكري في قضايا تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمثل في حد ذاتها انتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة والمساواة أمام القانون.
وأشارت المبادرة إلى أن اللجنة الأفريقية ألزمت الدولة المصرية باتخاذ تدابير واضحة لجبر الضرر وضمان عدم التكرار، من بينها وقف هذه الممارسة نهائيًا، وملاحقة المسؤولين عنها أمام جهات قضائية مختصة، وتعويض الضحايا، وتعديل اللوائح المنظمة للسجون الحربية، مع تقديم تقرير رسمي خلال مهلة زمنية محددة حول تنفيذ الحكم.
واختتمت المبادرة بيانها بالتأكيد على أن هذا القرار يواجه سياسة الإفلات من العقاب في جرائم التعذيب والعنف الجنسي، ويعيد الاعتبار لضحايا صمدن في مسار تقاضٍ طويل امتد لأكثر من عقد، داعية السلطات المصرية إلى التنفيذ الكامل والفوري لتوصيات الحكم، واحترام الحق في الاحتجاج السلمي، ووضع حد نهائي للممارسات التي تنتهك الكرامة الإنسانية تحت أي مسمى.





