شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«ذي إنترسيبت»: القتل خارج القانون والإخفاء القسري استراتيجيتان للأمن المصري منذ انقلاب السيسي

الموت والاختفاء القسري وسيلتان لمصر في حربها المزعومة ضد الإرهاب

أجرت صحيفة «ذي إنترسيبت» تحقيقًا مطوّلًا عن حالات الاختفاء القسري في مصر منذ تولي عبدالفتاح السيسي الحكم، مسلّطة الضوء على حالات القتل خارج القانون التي طالت بعضهم وما زالت؛ بدعوى مكافحة الإرهاب، وأصبح استراتيجية متّبعة من وزارة الداخلية منذ اغتيال النائب العام في 2015.

كما سلّطت الصحيفة، وفق ما ترجمت «شبكة رصد»، الضوء على القتل والاختفاء؛ بداية بقضية مدرس من محافظة البحيرة قالت وزارة الداخلية إنه قتل في تبادل لإطلاق النار مع حركة «حسم»، وتبيّن فيما بعد أنه قُبض عليه من محل عمله ثم أُعلن خبر مقتله بعدها بشهر.

وصل المدرس «محمد عبدالستار»، 48 عامًا، إلى مقر عمله في محافظة البحيرة يوم 9 أبريل الماضي، ووقع على دفتر الحضور في الثامنة صباحًا، بعد أن أعدّ درسًا عن المسيحية، وهو موضوع مناسب؛ نظرًا للطائفية التي تمر بها مصر والهجمات التي أدّت إلى جرح المئات ومقتلهم في جميع أنحاء مصر منذ ديسمبر الماضي.

لكن، بحلول الساعة العاشرة والنصف صباحًا، قُبض عليه؛ وقتاده أشخاص يرتدون ًا مدنيًا إلى سيارة لا تحمل أي علامات.

وبعد أسابيع من اختطافه حاولت زوجته وزملاؤه في المدرسة التعرف على مكانه، وأرسلوا رسائل إلى مسؤولين، ولم تستطع الأسرة إلا أن تفترض قبض الأمن الوطني عليه، وهو جهة معروفة بسمعتها السيئة في اعتقال الأشخاص بهذه الطرق.

وكان جزءًا من محتوى الاستغاثة التي أرسلتها أسرته إلى النائب العام: «لا نعرف الجهة التي اعتقلته، ولا مكان اعتقاله، ولا نعرف ماذا حدث بالضبط، يرجى من سيادتكم التحقيق في الحادث».

وبعد ذلك بشهر تقريبًا أعلنت وزارة الداخلية أنه قتل في هجوم لمكافحة الإرهاب استهدف أفرادًا من حركة «حسم»، وهي مجموعة مسلحة نفّذت هجمات ضد أهداف حكومية بشكل منتظم، وأضافت الداخلية في بيانها الذي نشرته عبر صفتحها على «فيس بوك» في 6 مايو أنه «وآخر يدعى عبدالله رجب علي عبدالحليم» بادلا قوات الأمن إطلاق النار أثناء مداهمة وكر للحركة في مدينة طنطا، التي تبعد مائة كيلومتر عن المدرسة التي يعمل فيها محمد عبدالستار.

ولم ترد أي إشارة في البيان عن أن محمد قُبض عليه من داخل مدرسته بالبحيرة، أو كيف ينضم مدرس إلى حركة إرهابية، ولم تقدم وزارة الداخلية إلى المدرسة أو أسرته أيّ وثائق، كما لم يُردّ على جميع استغاثات أسرته.

وقائع مكررة

اختفاء «محمد عبدالستار» ليس الأول من نوعه؛ ففي العام الماضي تحدّثت تقارير عن اختفاء مئات المواطنين قسريًا، وكانوا ضحايا «الحرب ضد الإرهاب» في مصر المدعومة من الولايات المتحدة. وعلى غرار «محمد»، كان يُعلن عن مقتل البعض منهم أثناء مداهمات على أوكار إرهابية، وتسرد الداخلية الرواية المكررة في بياناتها: «أثناء حملة أمنية بادر المتهمون بإطلاق النيران؛ ما دعا القوات لمبادلتهم، فأسفر الهجوم عن مقتلهم جميعًا».

وتعد موجات الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون من أهم الموضوعات التي شغلت حقوق الإنسان في مصر عن سيادة القانون، ويهدد الأمر الجهود الرمية إلى التخفيف من حدة العنف المتطرف المستمر في البلاد. وبالرغم من ذلك، يبدو أن المسؤولين الأميركيين ما زالوا ملتزمين بتقديم الدعم لجهود مصر، سواء ماديًا عبر المساعدات، أو سياسيًا بالتدابير المقترحة لتسمية الجماعات التي تهاجم الحكومة «منظمات إرهابية دولية».

وتحاول الحكومة المصرية إقناع مواطنيها والمجتمع الدولي بأنها تخوض معركة ضد إرهابيين، عن طريق الرقابة الصارمة على الإعلام وجهاز المخابرات والأمن الوطني. وفي الواقع، يبدو أنّ قتلى ومختفين قسريًا معارضون سياسيون ونشطاء ومواطنون عاديون، وحتى الحالات التي فيها شبهة صلة بجماعات إرهابية يتعرّض مرتكبوها إلى مخالفات قانونية بحقهم (كالتعذيب أو الإعدام).

بدأت ما تسمى «الحرب على الإرهاب» في مصر في يوليو 2013 عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في انقلاب عسكري، وطُلب من المصريين تقديم تفويض للجيش بمكافحة الإرهاب. وفي ديسمبر 2013 أُعلنت الإخوان «جماعة إرهابية». وفي مايو 2014 فاز السيسي بالرئاسة بـ96.9% من الأصوات، وفي غياب البرلمان أصدر قانونًا شاملًا لمكافحة الإرهاب، ومنذ خطابه في 2013 اعتقل مايقرب من 25 ألف شخص بتهمة ارتكاب أعمال إرهابية، عديد منهم لا علاقة له بأي أعمال عنف، كما حوكم آخرون منهم في محاكمات جماعية.

وتعد حالات القتل خارج نطاق القضاء، مثل محمد عبدالستار، ظاهرة جديدة نسبيًا في مصر، وعلى الرغم من أن آلاف الإرهابيين المزعومين قتلوا في هجمات عسكرية في شمال سيناء؛ فنادرًا ما تُعرف حالات القتل خارج القانون في هذه المناطق المعزولة.

يقول باحث في منظمة العفو الدولية، رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية، وأحد الذين حققوا في قضية محمد عبدالستار، إن حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أصبحت اتجاهًا رسميًا منذ اغتيال النائب العام المصري في يونيو 2015، ولم يعلن أحد مسؤوليته عن الحادثة؛ وبالرغم من ذلك ربطتها وسائل إعلام مصرية بجماعة الإخوان المسلمين.

ومنذ اغتيال هشام بركات قتل قرابة 178 إرهابيًا مزعومًا؛ منهم 110 في عام 2017 وحده.

وشملت غالبية أعمال مكافحة الإرهاب خارج نطاق شمال سيناء جماعة الإخوان المسلمين، ثم جماعتين جديتين انبثقتا «حسم ولواء الثورة»، وارتكبت حسم أعمالًا ضد الأمن المصري والمسؤولين الحكوميين ومحاولة اغتيال المفتي السابق علي جمعة ومساعد النائب العام المستشار زكريا عبدالعزيز، والهجوم على سفارة ميانمار. وكانت «لواء الثورة» أقلّ شاطًا من حسم، ولم تنفذ سوى ثلاث هجمات فقط منذ تأسيسها في أغسطس 2016.

وتنظر الحكومة المصرية دائمًا إلى الحركتين باعتبارهما تابعتين لجماعة الإخوان المسلمين، التي يقبع معظم قادتها في السجن الآن، ولها علاقة معقدة مع العنف. فبالرغم من إصرار بعضهم على انتهاج «اللاعنف»؛ ثمة جانب آخر يصر على أن رسالتهم متمثلة في العنف، خاصة الشباب منهم.

واتخذت وزارة الداخلية أول إجراءاتها ضد حركة «حسم» في نوفمبر 2016، وقالت إنها قتلت اثنين منها في تبادل لإطلاق النار؛ ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن قتلت منهم 40 فردًا فقط.

وفي قضية «محمد عبدالستار»، زعمت وزارة الداخلية في بياانها على الفيس بوك أنه وشريكه كانا «مسؤولين عن تصنيع العبوات الناسفة ونقلها» إلى حسم ولواء الثورة، واتهمتهما بدورهما في هجوم أسفر عن مقتل ضابط شرطة وإصابة 15 آخرين في منشأة تدريب للشرطة في طنطا في 1 أبريل، ولم تقدم أي معلومات أخرى عن علاقتهما بلواء الثورة أو حسم.

بينما ردت «حسم» في بيان وكذّبت وزارة الداخلية، ونفت علاقة القتيلين بها، وقالت: «لو كانا ينتميان إلينا فإنه مدعاة فخر لنا، لكنّ أيًا من أعضائها لم يمت في الهجمة الأمنية الأخيرة».

وحققت منظمة العفو الدولية في قضية محمد عبدالستار، لكنها لم تتمكن من تعقّب أيّ سجلات رسمية بشأن القبض عليه أو الإفراج عنه، والأكثر من ذلك أن جثته مصابة بطلقتين في الظهر؛ ما ينفي الادعاء الذي ساقته وزارة الداخلية بأنه مات في تبادل لإطلاق النار. «ما حدث لمحمد في الأيام السابقة لوفاته يعد لغزًا، وليس من الواضح لماذا استهدفته الحكومة».

لكنّ المنظمة لاحظت أنها لم تكن الحالة الأولى التي يكتنفها الغموض؛ ففي العام الماضي أفادت التقارير بأن ما لا يقل عن 20 شخصًا آخرين من المعتقد أنهم تابعون لـ«حسم» قبض عليهم أو اختفوا في الأسابيع التي سبقت هجمات مكافحة الإرهاب التي أعلنت الداخلية عن مقتلهم فيها، ونشرت عن اختفاء بعضهم وسائل الإعلام وجماعات حقوق الإنسان المحلية قبل الإعلان عن مقتلهم.

وبالرغم من إعلان الشرطة أن هؤلاء القتلى ماتوا في تبادل لإطلاق النار، فالداخلية أعلنت أيضًا عن إصابات عدد من رجال الشرطة أثناء هذه المداهمات المزيفة؛ لكن الباحث في منظمة العفو، الذي رفض الإفصاح عن إسمه، قال إن قلة إصابات رجال الشرطة دون التحقيق في ظروف المداهمة وملابساتها؛ كلها دلالات تؤكد أنّ «الإعدام خارج نطاق القضاء استراتيجية متبعة من قبل قوات الأمن».

ومع ازدياد حالات القتل خارج القضاء، احتلّ اهتمام واشنطن بجماعة الإخوان المسلمين ومدى حقيقة ارتباطها بالعنف مساحات متفككة في وسائل الإعلام الأميركية. وفي 24 مايو أصدرت السفارة الأميركية في القاهرة تحذيرًا من الهجمات الإرهابية. ومن المفارقات أن حركة حسم أصدرت بيانًا -بعد تحذير السفارة للأميركيين- وردّت عليها قائلة: «نحن حركة مقاومة ولسنا إرهابيين».

وتزامن الاهتمام الأميركي المتزايد مع زيارات كبار المسؤولين المصريين إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك السيسي نفسه، الذي زار واشنطن في أبريل، وهي أولى زيارة له منذ توليه السلطة، وزيارة وزير الخارجية سامح شكري إلى واشنطن في فبراير، إضافة إلى زيارة ثلاث وفود برلمانية لواشنطن في هذا العام.

وكانت أولوية المسؤولين المصريين أن تعتبر واشنطن جماعة الإخوان إرهابية. وفي يناير، قدّم السيناتور «تيد كروز» تشريعًا يقترح ذلك، لكن لم يوافق عليه؛ إذ خرجت ضده حجج كثيرة في وسائل الإعلام، وتسبب في ظهور معارضة عنيفة ضده، ورأى كثيرون أنّ فرض حظر على جماعة الإخوان المسلمين ليس ممكنًا. وغير هذا التشريع، كانت هناك دعوات أخرى بإدراج الإخوان والجماعات المرتبطة بها إرهابيين.

لكن، في الواقع، الجماعات التي أسمتها الحكومة المصرية لأميركا لم تكن مرتبطة بأي أعمال تهدد الأمن القومي الأميركي، مثل حسم؛ وحتى الآن لم يُعتمد أيّ تشريع رسمي.



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية