شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

حرق الصغار ومحرقة الكبار

حرق الصغار ومحرقة الكبار
في اللحظة التي كان عبدالفتاح السيسي يستعرض فيها مقاتلات إف 16 في سماء القاهرة، كانت أكثر من 72 ساعة مرت على التصريح المذلّ للمتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني، عن عزم تل أبيب على التدخل عسكريًا لضرب تنظيم "ولاية سيناء".

في اللحظة التي كان عبدالفتاح السيسي يستعرض فيها مقاتلات إف 16 في سماء القاهرة، كانت أكثر من 72 ساعة مرت على التصريح المذلّ للمتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني، عن عزم تل أبيب على التدخل عسكريًا لضرب تنظيم “ولاية سيناء”.

مضت كل هذا الساعات، ولم يشعر مسؤول مصري واحد، عسكري أو سياسي، بالخجل والحرج، وهو يرى ساسة العدو الصهيوني يتحدثون عن مصر وكأنها صارت الفناء الخلفي بالنسبة لهم، أو قل هي الكلأ المستباح، يرسلون قواتهم تعربد فيها، كلما عنّ لهم ذلك، من دون استئذان أو تنسيق.

يذكر التاريخ تلك المقولة الشهيرة لأول من أدخل مصر مخدع التطبيع مع العدو الصهيوني، أنور السادات “إنك تحرجني مع شعبي”، قالها لمناحيم بيغن، بعدما أغارت الطائرات الإسرائيلية على المفاعل الذري العراقي، بعد ساعات من مباحثات ثنائية في شرم الشيخ بين السادات ورئيس الحكومة الصهيونية، في ذلك الوقت، بيغن.

كان السادات تطبيعيًّا، لكنه كان يمتلك الحد الأدنى من الإحساس بالكرامة، والندية، مع العدو، أما الآن فقد جاء الوقت على مصر لكي يحكمها من لا يجدون غضاضة في أن تعتبر إسرائيل سيناء بيتها ومطرحها، تعربد فيها، متى وكيف شاءت، ما دام هناك في القاهرة من يعتبرها الحليف والشريك والصديق والكفيل في استثمار سياسي وأمني ضخم، اسمه “الحرب على الإرهاب”، ومن ثم لا يملك أمام تصورات وطموحات وأفكار أفيخاي أدرعي، إلا أن يقول كما كانت أمينة تقول للسيد أحمد عبد الجواد، في ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، “اللي تشوفه يا اخويا”.

ماتت قصة “استشعار الحرج”، وانتحرت القدرة على إبداء الغضب ممّا تريده وتنفّذه إسرائيل، في سيناء، أو في غزة، فهذا نظام سياسي ينحصر نشاطه في الإعلان عن توسعة قنوات، وإقامة الاحتفالات بها، وبناء مزيد من السجون وحفر القبور لمعارضيه، كبارًا كانوا أم صغارًا.. لذا، أستغرب كثيرًا محاولة اصطناع الحزن الرسمي المصري على جريمة حرق الرضيع الفلسطيني، علي دوابشة، في نابلس، فالنظام الذي مارس الجريمة نفسها، وعلى نطاق أوسع، وأحرق معارضيه، بسيارة ترحيلات سجن أبي زعبل، وقبل ذلك في اعتصام رابعة العدوية، وبعد ذلك في محطات عديدة، كان فيها يقوم بخدمة توصيل الحرق والموت إلى المنازل، لتصفية المواطنين فيها (تصفية أكاديميين وطلاب في منازل بمدينة أكتوبر وحي فيصل نموذجًا)، وتعاون مع آلة الحرق والتدمير الصهيونية في العدوان على غزة، صيف العام الماضي، هذا النظام لا يمكن تصديق أنه يهتز لحرق طفل فلسطيني رضيع في نابلس، فالذي يحرق الكبار، لا يتأثر بحرق الصغار، فالجلد العربي واحد، والجرم واحد، والمجرم واحد.

الخلاف مع هذا النظام ليس حول: مشروعه الجديد حفر قناة أو توسعة تفريعة، وليس عائدها مائة مليار دولار أم 13 مليار جنيه، خلافنا هو الإنسان. بين هذا النظام والإنسانية آلاف من الأبرياء، قتلهم وحرقهم وصفّاهم، في أقل من عامين من اختطافه السلطة. بيننا وبينه سلسلة من المجازر والمحارق، ارتكبها في طريقه إلى مسرح الاحتفال، بما يعتبره معجزة على ضفاف قناة السويس.

لا يعنينا كثيرًا كونها معجزة كبرى، أو كذبة جديدة. هذا لن يغيّر من طبيعة هذا النظام شيئًا، ولن ينسينا عشرات آلاف المسجونين ظلمًا، ومئات الشباب المختفين قسرًا.

ولن تستطيع بروباغندا “6 أغسطس” أن تمحو من ذاكرة التاريخ هولوكوست “14 أغسطس”، وستبقى دماء مذبحة رابعة طافية على سطح مياه قناة السويس، تفريعة كانت أم مجرى جديداً، فليتذكر القادمون لمشاركة القَتَلة احتفالاتهم أن الطريق إلى هذه اللحظة يمر فوق دماء وعظام وجماجم بريئة، وأن خلف مسرح الحفلة عشرات الآلاف يئنون من التعذيب والظلم في ظلام السجون.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023