شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تنظيم “ولاية سيناء”: الصعود العسكري والآثار السياسية

تنظيم “ولاية سيناء”: الصعود العسكري والآثار السياسية
"لا ترسل تعزيزات إلى سيناء. أرسل جيشك كله ليُباد هنا في الصحراء". هذه العبارة المليئة بالتحدي وجّهها كمال علام، القيادي في تنظيم "ولاية سيناء"، لعبد الفتاح السيسي في إبريل الماضي، موازاة مع ظهور مدرعة غنمتها عناصر التنظيم

                                                               مقدمة

“لا ترسل تعزيزات إلى سيناء. أرسل جيشك كله ليُباد هنا في الصحراء”. هذه العبارة المليئة بالتحدي وجّهها كمال علام، القيادي في تنظيم “ولاية سيناء”، لعبد الفتاح السيسي في إبريل الماضي، موازاة مع ظهور مدرعة غنمتها عناصر التنظيم من قوات النظام؛ بغرض استكمال رمزية مشهد التحدي.

وبحسب الخطاب الرسمي في القاهرة، فإن علام قد قُتِلَ أكثر من أربع مرات، كان آخرها في فبراير2015 رغم ظهوره في إبريل ليتبنَّى هجومًا معقدًا على سبعة مواقع عسكرية على الطريق الساحلي بين العريش ورفح، ثم يرسل رسالته للسيسي.

ولا يعتبر علام القيادي الوحيد الذي يسلِّط ظهوره الضوء على أزمة المصداقية في الروايات الرسمية، فقد أُعلن أيضًا عن مقتل شادي المنيعي -أحد القيادات المعروفة لولاية سيناء- عدة مرات قبل أن يظهر وهو يقرأ نعيه في إحدى الجرائد الموالية للنظام على حاسوبه المحمول.

ولا يعترف النظام في خضم الصراع الدموي المسلح في سيناء بخطورة الوضع أو بأزمة المصداقية، وحسب السيسي فإن كلمة “تحت السيطرة” ليست كافية لوصف الوضع في سيناء؛ لأن “الوضع مستقر تمامًا”، ولا يتناقض “الاستقرار التام” فيما يبدو مع الزي العسكري الذي ارتداه السيسي من مكان مجهول في سيناء حين ألقى كلمته! ولا مع عبارة رئيس وزرائه القائل بأن “مصر في حالة حرب”، ولا مع الأهداف العسكرية الخمسة عشر التي استهدفها التنظيم في وقت واحد في الأول من يوليو/تموز 2015، ولا مع استمرار معارك شرسة في بعض المواقع المستهدفة حتى اليوم التالي.

تطورات وحقائق مزعجة

تأتي هذه التطورات المأساوية بعد أكثر من ثمانية عشر شهرًا من الحملات العسكرية والأمنية الشرسة وغير الفعّالة، التي اعتمدت بالأساس على سياسات العقاب الجماعي، بما في ذلك هدم آلاف المنازل (ليس في شرق رفح المصرية لتجريف الحدود مع قطاع غزة المحاصَر فقط، ولكن -أيضًا- بعيدًا عن الحدود في وسط الشيخ زويد، كتنكيل جماعي بعائلات المشتبه بهم)، مع وحشية التعامل مع السكان المحليين والتعذيب الممنهج لدائرة واسعة من المشتبه بهم، وحملة من التضليل الدعائي الرسمي أشبه بحملات الستينات من القرن الماضي، التي زعم أثناءها النظام العسكري الحاكم أن الجيش على مشارف تل أبيب، في حين كان يُباد هاربًا في أودية سيناء.

أما واقعيًّا، فقد استبدلت هذه السياسات الشعار المعروف لحملات مكافحة التمرد الناجحة وهو “كسب القلوب والعقول” (لدعم الموقف النظامي/الرسمي وسحب الأنصار والشرعية من المتمردين) إلى شعار “جثث كثيرة وقلوب قليلة”.

فما الذي يحدث في شمال شرق سيناء؟ وهل تمثِّل “ولاية سيناء” تحديًا عسكريًّا حقيقيًّا لسلطة النظام في شمال شرق شبه الجزيرة؟ وما الآثار السياسية والعسكرية التي قد تنتج عن تدهور الوضع هناك؟

بعيدًا عن المرئيات الدعائية للتنظيم وبيانات النظام، هنالك عدة حقائق مزعجة. أما الحقيقة الأولى فهي تنامي القدرة العسكرية لتنظيم ولاية سيناء، ليشكِّل أقوى تنظيم عسكري غير تابع للدولة في تاريخ مصر المعاصر. وحتى مقارنة بأحداث التسعينات، حين قادت الجماعة الإسلامية تمردًا مسلحًا منخفض المستوى في صعيد مصر، وتفجيرات واغتيالات وتكتيكات أخرى من “إرهاب المدن” في القاهرة مع تنظيم الجهاد، فإنه لم يكن هناك تهديد عسكري حقيقي لسيطرة النظام على بعض مناطق الدولة. كما أن التسليح والقدرة على المناورة التكتيكية والعملياتية كانت أقل مستوى بكثير مقارنةً بما يحدث الآن في شمال شرق سيناء.

وربما المقارنة الوحيدة لمستوى التسليح والقدرات العسكرية -مع الخلاف الكبير في الأهداف والاستراتيجيات- تنتمي لمرحلة خمسينات القرن الماضي، حين انقسم ضباط الجيش إلى معسكرين، حيث أراد المعسكر الأول -بتشكيلاته المختلفة- العودة للبرلمان والتمسك بالرئيس (محمد نجيب) وبناء جمهورية ديمقراطية برلمانية، بينما انحاز المعسكر الثاني لفصيل جمال عبد الناصر في “مجلس قيادة الثورة” وأراد حكمًا عسكريًّا أو بالأحرى “جمهورية عسكر”.

 وكان المعسكر الأول متمركزًا في سلاحي المدفعية والفرسان (المدرعات)، ويمتلك المدفعية الثقيلة والدبابات، وكاد أن يستخدم بعضًا من تلك الأسلحة في أزمة مارس 1954، إلا أنه خسر المواجهة السياسية والعسكرية في نفس العام، ليس بسبب ضعف التسليح وإنما لأسباب أخرى، أبرزها ضعف القيادة وتشتتها وتعددها وعدم وضوح استراتيجيتها.

وتتمثَّل الحقيقة الثانية في فشل السياسات المتَّبعة من قِبل النظام الحالي والأنظمة السابقة لحل “مسألة سيناء”، وهي مسألة ذات أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وقبليّة وجهويّة-هويّاتية وتنموية. وقد فشلت السياسات التي ركّزت على البُعد الأمني والعسكري حتى في إضعاف التهديد الأمني-العسكري، بعيدًا عن إنهائه أو تحييده أو تهدئته.

ويعتبر هذا التهديد الأمني-العسكري لسلطة النظام جزءًا من البعد الأمني للمسألة السيناوية، وهو مرتبط بالأبعاد الأخرى المذكورة آنفًا. فجذور الأزمة تعود إلى أعقاب الانسحاب الإسرائيلي عام 1982؛ حيث أصبحت منذ ذلك الحين السياسات الأمنية -وأحيانًا الاجتماعية- تصنِّف سيناء بشكل رئيسي على أنها تهديد مباشر أو محتمل، وتعتبر سكانها مبدئيًّا مُخبرين محتملين أو إرهابيين محتملين أو جواسيس محتملين أو مهرِّبين محتملين، لا مواطنين مصريين. وقد تصاعدت حدّة هذه السياسات الإقصائية عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، حين اقتنعت -صوابًا أو خطأ- قيادات أمنية مصرية بوجود دعم لوجستي مباشر يأتي من شمال شرق سيناء لعدد من الفصائل الفلسطينية المقاومة في غزة إبّان الانتفاضة وبعدها.

وكانت النتيجة الرئيسية بعد خمسة عشر عامًا من تلك السياسات القمعية تحوُّل مشكلة أمنية محدودة بشأن الدعم اللوجستي العابر للحدود، إلى حالة من التمرد المحلي المسلح على سلطة النظام. لينمو هذا التمرد بشكل مطَّرِد في حجمه ونطاقه الجغرافي وقوته العسكرية ومداه الزمني وموارده اللوجستية وامتداده الجهويّ وقدراته الدعائية وشرعيته الوجودية.

وقد تعددت الأُطُر التنظيمية المُمثِّلة لحالة التمرد، وتغيّرت درجة مركزية قيادتها من حقبة إلى أخرى، خاصة ما بين أعوام 2003- 2006 (عمليات تنظيم التوحيد والجهاد)،  ثم أعوام 2007- 2010 (تطورات غزة ودخول بعض عناصر السلفية الجهادية الغزاوية وعناصر الأمن الوقائي الغزاوي إلى سيناء)(7)، ثم أعوام 2011- 2014 (صعود تنظيم “أنصار بيت المقدس” ومجموعات مسلحة أخرى)، ثم 2014- 2015 (ولادة ولاية سيناء ودخول تنظيم الدولة على خط المواجهة).

وتتمثَّل الحقيقة الثالثة في تصاعد الأزمة السياسية المصرية منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 والسياسات القمعية التي أعقبته.

ورغم أن مسألة سيناء ومواجهاتها الأمنية والعسكرية أقدم من أزمة القاهرة، إلا أن الأزمة القاهرية قد أثَّرت سلبًا على المسألة السيناوية. ويتجلى ذلك في أثرين بارزين، أوَّلهما: صعود التيار الاستئصالي داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، ويعتبر هذا التيار أن أحداث سيناء مرتبطة بشكل مباشر بالقاهرة، وأنه يمكن حل كلا الملفَّيْن -بل كافة الملفات- باستئصال المخالِف عبر القبضة الأمنية والعسكرية المفرطة.

أما الأثر الثاني فهو خَلْق بيئة تشرعن تدخُّل السلاح في الأزمات السياسية، سواء كان سلاحًا نظاميًّا أو غير نظامي، ليس لكونه -في هذه البيئة- الوسيلة الأنجع للوصول للسلطة والبقاء فيها، وإنما -أيضًا- الوسيلة الأنجع للحفاظ على الوجود السياسي والاجتماعي من الاستئصال. وتمثِّل هذه الخلاصة -في حد ذاتها- تحديًا كبيرًا لأي عملية تهدئة أو مصالحة في المستقبل.

القدرات العسكرية لولاية سيناء

يعتبر نمو القدرة القتالية لقوات غير نظامية مصرية كما هي حال “ولاية سيناء” تحوُّلًا غير مسبوق في التاريخ المعاصر للمواجهات المسلحة في مصر؛ فالتكتيكات والعمليات الميدانية للتنظيم تجمع بين ثلاثة أنواع. ويُسمَّى النوع الأول في الدراسات الأمنية “إرهاب المدن”، ويشمل بالأساس ضرب أهداف مدنيَّة سهلة داخل المدن عبر العبوات والمفخخات والانتحاريين وعمليات الاغتيال. أما النوع الثاني فهو تكتيكات حروب المغاوير (أي حروب الأنصار أو العصابات)(9)، ويشمل ذلك عمليات الكرّ والفرّ على أهداف عسكرية مع محاولة السيطرة على الأرض لفترة محدودة بتشكيلات قليلة العدد وخفيفة التسليح، مع تجنُّب مواجهة مباشرة طويلة أو متوسطة المدى مع قوات الجيش النظامي. أما النوع الثالث -وهو جديد في الحالة المصرية وقديم في حالات أخرى في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب أوروبا وآسيا وأميركا الوسطى والجنوبية- فهو أشبه بتكتيكات وعمليات ميدانية للقوات النظامية الخاصة(10)؛ حيث يتم استخدام خليط من المدفعية الثقيلة والخفيفة والصواريخ الموجَّهة وغير الموجهة والقنّاصة؛ لدعم تقدُّم أو انسحاب تشكيلات مشاة من عشرات أو مئات المسلحين. وقد استهدفت تلك التشكيلات -أحيانًا- السيطرة على قرى أو مدن بعينها، مثل ما حدث في مدينة الشيخ زويد في يوليو/تموز 2015، أو ما حدث في سبع قرى -على الأقل- جنوب الشيخ زويد قبل ذلك.

وهذا المزيج من “تكتيكات المغاوير” و”إرهاب المدن التقليدي” و”العمليات الخاصة النظامية” الذي تستخدمه “ولاية سيناء” مدعومٌ -إلى حد ما- بتسليح وتدريب مناسب لعناصرها. ففي يناير/كانون الثاني 2014 تمكّن تنظيم أنصار بيت المقدس (الاسم القديم لولاية سيناء أو معظم فصائلها قبل مبايعة تنظيم الدولة) من إسقاط مروحية حربية من طراز “مي-17” تابعة للجيش الثاني الميداني وقتل طاقمها المكوَّن من خمسة عسكريين.

 عبر استخدام صاروخ موجّه مضاد للطائرات، ولم يتضح الجيل الذي ينتمي إليه الصاروخ من خلال الفيلم الدعائي للتنظيم. ويبدو أنه من طراز س-أ-16 أو س-أ-18 (الجيل الأحدث والأدق والأبعد مدى)، وهو طراز تابع لجيل الثمانينات الذي يستخدم الأشعة تحت الحمراء لتتبُّع الهدف.

وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يتمكن فيها تنظيم مسلّح غير تابع للدولة من إسقاط طائرة عسكرية نظامية. أما في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، فقد استولى التنظيم على عدد كبير من الأسلحة بعد هجوم مزدوج على حواجز عسكرية في كرم القواديس والعريش، قَتل خلاله أكثر من ثلاثين عسكريًّا ودمَّر دبابة أميركية الصنع من طراز إم-60 باتون، ومدرعة أميركية الصنع من طراز إم-11.

وقد أصدر التنظيم فيلمًا دعائيًّا في شهر نوفمبر بعنوان “صولة الأنصار 1″، استعرض فيه بعض الأسلحة التي استولى عليها من القوات النظامية، بما فيها مدفع هاون ثقيل (عيار 120 مم).

وقد استفحل الوضع في يناير 2015؛ فبعد الهجوم المزدوج في أكتوبر/تشرين الأول على كرم القواديس بالشيخ زويد ومدينة العريش، استهدف التنظيم 11 هدفًا عسكريًّا وأمنيًّا في ثلاث مدن (العريش والشيخ زويد ورفح المصرية) في وقت واحد(13)، وهي -أيضًا- سابقة في تاريخ المواجهات المسلحة في مصر، بما فيها المواجهات بين القوات الملكيّة البريطانية والثوار المسلحين المصريين في الأربعينات والخمسينات بمدن القناة.

وقد استخدم التنظيم في هجمات يناير قذائف هاون خفيفة (من عيار 60 مم) ورشاشات ثقيلة (من عيار 12.7 مم) ومفخخات وعبوات ناسفة متعددة الأنواع. واستخدم كذلك قذائف صاروخية غير موجّهة مضادة للمدرعات من أجيال قديمة مثل الآر بي جي 7، وهو ما تطور بعد ذلك في هجمات مستقبلية؛ حيث هاجم التنظيم أهدافًا صعبة وعالية التسليح في عمليات يناير، مثل معسكر الكتيبة 101 في العريش التي يسمِّيها بعض أهالي سيناء “جوانتانامو مصر”، وهي مقرّ قيادة لبعض القوات المنتشرة في العريش والشيخ زويد ورفح، وأحد المقار الرئيسية للتحقيقات التي تجريها قوات النظام مع المشتبه بهم.

توالت الهجمات غير منقطعة بعد ذلك، حيث وثّق التنظيم في شهر مايو بعض هجمات شهر إبريل في إصدار مرئي دعائي بعنوان “صولة الأنصار 2”. لكن أبرز الهجمات وأشدها تعقيدًا على الإطلاق كانت في الأول من يوليو 2015. ومثل ما حدث في يناير (حين استهدفت “الولاية” 11 هدفًا)، وفي إبريل (حين استهدفت 7 أهداف)، قام التنظيم أيضًا باستهداف 15 هدفًا عسكريًّا وأمنيًّا في وقت واحد، ونجح في تدمير بعضها بشكل كامل.

ووفقًا لبعض السكان المحليين، فقد شارك نحو 300 مقاتل في العمليات التي استمرت أكثر من 20 ساعة(14). استخدم خلالها التنظيم صواريخ موجهة مضادة للطائرات مرة أخرى، ويبدو أنها نجحت في تحييد مروحيات الأباتشي، واضطرت القوات النظامية لاستخدام طائرات الإف-16 للقصف من ارتفاع أعلى، وتجنُّب المواجهة الجوية على ارتفاع منخفض نسبيًّا.

إضافة للترسانة المعتادة في هجمات التنظيم، بما فيها قذائف الهاون الخفيفة والثقيلة والرشاشات الثقيلة وصواريخ الغراد غير الموجّهة التي قصفت مطار العريش والعبوات المرتجلة والعبوات التي تُفجَّر بالتحكم عن بُعد (RCIEDs) والسيارات المفخخة، استخدم التنظيم صواريخ الكورنيت المضادة للدبابات والموجّهة بالليزر، وهي صواريخ روسية متطورة نسبيًّا ومرتفعة الثمن؛ حيث أثبتت تلك الصواريخ فاعليتها في حربي 2003 بين القوات العراقية النظامية والجيش الأميركي، وعام 2006 بين حزب الله وإسرائيل.

وقد استطاع التنظيم أثناء القتال تعطيل التعزيزات العسكرية القادمة للمواقع المستهدفة عن طريق استخدام مزيج من العبوات الناسفة وسلاح القنّاصة والمدفعية الخفيفة. وحين بدأ الجيش النظامي هجومًا مضادًّا موسعًا مدعومًا بقصفٍ جوى مكثّف، انسحب التنظيم بعد أن فخّخ ولغّم طرق الانسحاب لدرء محاولات التتبُّع، مخلفًا وراءه 17 قتيلًا بحسب المصادر الرسمية، وأكثر من مائة بحسب شهادة والد أحد الجنود الذي شاهد جثث الجنود العائدة للدفن مع جثة ابنه(15).

الآثار السياسية والسيناريوهات المستقبلية

يتضح من خلال قراءة نمط عمليات “ولاية سيناء” ونوعياتها والدعايات المكثفة للتنظيم، أن الهدف المرحلي في استراتيجيته العسكرية هو خفض الروح المعنوية لجنود النظام مع زيادة تكاليف الحرب؛ لتُضعِف بالأساس رغبة الجنود في القتال، وليس بالضرورة قدرة النظام على القتال. ومن ضمن التكتيكات التي تخدم هذا الهدف مهاجمة عناصر التنظيم للقوات النظامية بشكلٍ مفاجئ ومستمر، ووحشية التعامل مع أسرى النظام، واستهداف شبكات الدعم المحلية (المخبرين بالأساس)؛ لإضعاف القدرة الاستخبارية والمعلوماتية للنظام، مع شرعنة ما يقوم به التنظيم من عمليات عبر الدعائيات المرئية.

ولا تهدف هذه الاستراتيجية إلى تأمين نصر عسكري سريع، بل استنزاف دموي طويل المدى. وهي ليست بعيدة عن الاستراتيجيات الماوية لحروب العصابات، والتي اتبعتها كلٌّ من حركة طالبان بين أعوام 2002 و2003، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (أحد مسميات التنظيم الأم لداعش قبل ولادتها) بين 2005 و2006 قبل أن تسيطر الحركتان على مساحات أكبر.

وبغضِّ النظر عن كون تنظيم “ولاية سيناء” راديكاليًّا بالمعنى الدقيق للمصطلح، فهو غير مَعْنِيٍ بالسياسة التقليدية المؤسساتية، لكنه معنيٌّ أكثر بمهاجمة القوات النظامية لإسقاط الوضع الراهن وبناء ما يعتبره “نظامًا إسلاميًّا شرعيًّا” على أنقاضه، فقد تكون لهجماته آثار سياسية كبيرة، من ضمنها التأثير على صناعة قرارات الأجنحة المتنافسة داخل المؤسسات العسكرية والاستخباراتية؛ فقد تسبَّبت هجمات التنظيم وتدهور الوضع الأمني والعسكري في سيناء في خلاف(16) بين مؤسسة الرئاسة وقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة النظامية، حيث يُعتبر الأخير أقوى كيان سياسي في البلاد منذ إزاحة حسني مبارك في 11 من فبراير 2011(17).

تصاعد هجمات التنظيم ومتغيرات محلية وإقليمية أخرى قد تُزيد من حدّة هذا التنافس الفصائلي أو تُهدِّئه أو تُنهيه في المستقبل. لكن من الناحية التاريخية، تسبَّبت الأخطاء العسكرية والأمنية في سيناء في تغيير موازين القوى داخل فصائل النُّخبة الحاكمة عدة مرات، لعل أبرزها الصعود السياسي لجمال عبد الناصر على منافسيه العسكريين-السياسيين عقب أزمة السويس عام 1956، وتهميش وإقصاء فصيل عبد الحكيم عامر، مع نَحْر أو انتحار الأخير بعد هزيمة يونيو 1967، وأخيرًا إزاحة المشير محمد حسين طنطاوي ونائبه الفريق سامي عنان من منصبيهما بعد مذبحة رفح الأولى في أغسطس 2012.

خاتمة

كما هو الوضع في سوريا والعراق وليبيا واليمن ودول خارج المنطقة العربية، فقد تسبَّبت السياسات القمعية للأنظمة العسكرية في إشعال حروب أهلية مستقبلية. ومع تمكُّن النظام من إبادة معارضيه في فترة زمنية محددة، كما فعل نظام الأسد في حماة عام 1982، فإن ذلك لا يمنع تولُّد صراع أهلي مسلّح بعد سنوات من الإبادة. وقد يولِّد ما حدث في القاهرة في أغسطس 2013 (مجزرة ميدان رابعة العدوية)، وفي شمال سيناء بين عامي 2013 و2015، موجاتِ عنفٍ غير مسبوقة.

ومن دون تعديل السياسات الوطنية والجهويّة في سيناء نحو تهدئة سياسية ومصالحة وطنية عادلة ولو جزئيًّا، وعزل القوى الأكثر تطرفًا -النظامية منها قبل غير النظامية لتغيير السياسات- فإنّ الحديث عن وضع “مستقر” أو “تحت السيطرة” قد يكون مجرد أوهام أو آمال أكثر منه حقائق أو وقائع.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023