شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

عوض أبو حسين يكتب: سد النهضة وقلة حيلة مصر

لعل متابعة المواطن المصري لملف سد النهضة باتت ضئيلة في ظل مراوغات النظام والإعلام وعدم الحديث عن الأزمة بما يليق بها، وتراخي واضح في شكل وطبيعة العلاقة مع الجانب الإثيوبي سواء على الجانب الرسمي أو حتى غير الرسمي.

أزمة سد النهضة لم تعد مفاجئة أو مقلقة للمصريين، لأنهم بالنظر إلى الواقع لم تتأثر حياتهم بما يدور من سجالات حول الأزمة، وعلى مدار عقد كامل استمع المصريون وشاهدوا تحليلات لا تعد ولا تحصى حول السد، وصلت في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي إلى لقاء على الهواء مع السياسيين لبحث كيفية الرد على الإثيوبيين الذين كانوا يسابقون الزمن في بناء السد.

 

أرى أن هذه اللحظة كانت حاسمة في التعامل المصري مع أزمة سد النهضة، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي، حتى بعد تغير نظام الحكم وانقلاب السيسي على السلطة وعزل مرسي، وأيقنت إثيوبيا أنها لا تواجه عدوا واقفا على قدميه، بل تواجه تخبطا في كافة صفوف الطرف المواجه والذي يمثل الثقل في المعادلة، علاوة على استنادها لدعم كبير من دول وأطراف إقليمية تحصلت عليه للاستعداد وقت المواجهة الحقيقية، التي لم تأت بمرور السنوات، بل إنها اكتسبت مقومات مساعدة مجانية من خلال اتفاق المبادئ الذي تم توقيعه في 2015.

قبل الحديث عن الوقت الحالي وما يمثله الأمر الواقع في الأزمة، فإن مصر بحجمها وثقلها الإقليمي والدولي لم تستطيع أن تؤمن مستقبل أجيالها من المياه التي تمثل شريان حياة المصريين منذ مئات السنين، والاعتماد في مصر على المياه لا يقتصر على جانب واحد، بل التف المصريون علي مدار الزمان حول المياه لكي تكون هي العامل الأساسي في حياتهم ونهضتهم من الزراعة ثم الصناعة والتجارة وما يخلفهم من عملية تشغيل للمنظومة كاملة، لا سيما الحياة برمتها على ضفاف النيل لأكثر من ثلثي الشعب المصري.

بالعودة إلى المفاوضات التي مارست إثيوبيا من خلالها أشكال وألوان شتى من المراوغة، تارة بدخول مباشر مع طرفي الأزمة، وتارة أخرى بمساعي أمريكا ومجلس الأمن، وأخرى أيضا مع جيران القارة والاتحاد الأفريقي، ولكنها في كل مرة كانت تكتسب مزيد من الوقت وفرض الأمر الواقع، حتى أعلنت خلال إحدى الجولات عن اكتمال بناء السد وبدء حجز المياه.

في هذه اللحظة تحديدا فرطت مصر في حقها باستخدام كافة الشواهد لقلب طاولة المفاوضات التي ترتكن إلى فراغ بالأساس، ولكنها أبت أن تفعل ذلك، وهنا أيضا لابد من الإشارة إلى دعم ترامب للسيسي حين قال صراحة أن مصر لديها الحق في ضرب هذا السد والدفاع عن حقها في المياه.

عدم تراجع مصر غير المبرر عن استكمال مسيرة المفاوضات المرهقة والتي تدور في دائرة مفرغة لا يوجد له أسباب أو دوافع واضحة، خاصة فيما يتعلق بالحصول على الدعم من المحيط العربي ثم الإقليمي وصولا للدعم الدولي من أمريكا ومجلس الأمن.

في المقابل، تواجه السودان التي لا تمتلك أدوات مساعدة سواء دولية أو إقليمية الآن التعنت الإثيوبي ودوامة المراوغات بالرفض وإعلانا رسميا بالتخلي عن طريق المفاوضات لحين وضوح الأمر وتجلي حقيقة الاهتمام الإثيوبي تجاه الأزمة وأطرافها.

المفاجئ هنا، أن مصر لم تتخذ من الموقف السوداني بداية لمرحلة يختلف فيها التفكير في التعامل مع إثيوبيا وآليات الحوار حول الأزمة، وكيفية الوصول لمفاهيم توضح بشكل جلي ماهية الأزمة وآثارها وأقصى مدى ممكن تستطيع دولتي المصب أن تتنازلا عنه.

الدور المصري قليل الحيلة تؤكده الشواهد الحالية في ظل تمسكها بطريق بالمفاوضات، رغم تطور كبير في العلاقة بين السودان وإثيوبيا سواء في المواجهة المشتعلة بين البلدين على الحدود أو الانسحاب السوداني من مفاوضات الأزمة.

بالحديث عن الحلول العسكرية، فإن تحركات مصر كانت بطيئة بشكل دفع إثيوبيا رغم انشغالها ببناء السد وحل الأزمات الداخلية التي تعصف حرفيا بنظام الحكم، إلى السيطرة الكاملة لنظام التفاوض والاستعداد للمواجهة العسكرية أيضا إن حاولت أطراف الأزمة فرضها، وذلك من خلال تأمين البحر عبر إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، لا سيما التعاون مع إريتريا، والحصول على منظومة الدفاع الصاروخي الروسية من طراز “PantirS1” لتطوير قدراتها العسكرية وحماية السد.

مقابل تلك التحركات السريعة واللافتة للطرف الإثيوبي، لم تستعد مصر سوى مؤخرا عبر حوار جاد مع جنوب السودان لإنشاء قاعدة عسكرية، إضافة لقاعدة برنيس الجوية بمنطقة البحر الأحمر التي افتتحها السيسي العام المنصرم.

في النهاية، فإن مصر أمامها فرصة سانحة مع الشريك السوداني في الاتحاد لمواجهة إثيوبيا ودحض أسلوب المراوغة التي تنتهجه في إدارة ملف الأزمة، والسعي لتعديل شكل المفاوضات إن كانت ستحمل حلا لكلا البلدين، وأن تأخذ في حسبانها اختلاف الإدارة الأمريكية التي قد لا تجد منها دعما في هذا الملف مقارنة بما فعله ترامب وإدارته.

 

مقال للصحفي عوض أبو حسين



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020