شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

دراسة في «نيويورك تايمز»: خصوبة الأوروبيين الأميركيين في خطر.. والحل في الشرق الأوسط

صورة تعبيرية للطفل عبر الحقن المجهري

كشفت دراسة حديثة منشورة في يوليو الماضي بمجلة الخصوبة البشرية أنّ أعداد الحيوانات المنوية للرجال في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا انخفضت بنسبة تتراوح ما بين 50% و60%، وقد تكون عوامل نمط الحياة المسؤولة عن الانخفاض؛ لكن المحصلة الأخيرة قد تحدث أزمة اجتماعية جديدة سببها العقم عند الرجال، إضافة إلى الآثار العاطفية المحتملة للجنسين، حسبما نشرت صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضافت، وفق ما ترجمته «شبكة رصد»، أنّ هذه الأخبار السيئة فقط؛ بينما الخبر الجيد هو أنّ مناطق مختلفة من العالم مرّت بهذا الأمر، وعانى الشرق الأوسط من مشاكل خطيرة في العقم لدى الرجال منذ عقود. وهو يضرب مثالًا على ذلك لبقية العالم.

ركّزت الأبحاث على عقم الرجال في الشرق الأوسط في السنوات الثلاثين الماضية، وكذلك على عيوب الحيوانات المنوية الوراثية؛ وهي ما تعد السبب الرئيس لعقم الرجال. والعيوب أمر شائع، كما إنّ ارتفاع معدلات تدخين الذكور وتلوث الهواء في المدن الكبرى والضغوط الناجمة عن الحروب أدت أيضًا إلى خسائر فادحة في الصحة الإنجابية للذكور. ومع ذلك، لم تحقق المنطقة تقدمًا طبيًا هائلًا في مكافحة عقم الرجال وحسب؛ بل شهدت أيضًا تغيّرات جذرية في التعامل الاجتماعي تجاه المشكلة.

توجّهت الباحثة «مارسيا إينهورن» إلى مصر لدراسة العقم في الثمانينيات حينما عملت على تحضير الدكتوراه، بينما بات تحليل السائل المنوي متاحًا على نطاق واسع في السبعينيات، وأدرك المصريون أنّ الرجال يمكن أن يصابوا بضعف الحيوانات المنوية؛ وأضحى معروفًا لديهم بفضل التقدم العلمي أنّ العقم ليس مجرد مشكلة نسائية.

ولكنّ هذا الوعي العام الذي يتسع لم يكن ليرتجم حينها إلى انفتاح. قد يكون سائقو السيارات على استعداد للدردشة، ولكن الرجال المصريين عامة نادرًا ما يكشفون عن مشاكل العقم الخاصة بهم؛ حتى مع أفراد الأسرة القريبين. وظل العقم عند الذكور أمرًا يلازمه الوصم الشديد والاضطراب؛ فالرجال غالبًا ما يتوقّعون اللوم من زوجاتهم على عدم إنجاب أطفال، والعقم الناجم عن مشكل في الحيوانات المنوية غالبًا ما يُخلط بالعجز الجنسي.

ومنذ هذه الأيام تغيّرت أشياء كثيرة نتيجة عوامل عديدة؛ منها التقدّم الطبي والفتاوى الدينية والجهود الحكومية مجتمعة لجعل علاج العقم عند الرجال أكثر سهولة. ولكنّ الرجال أنفسهم أدّوا دورًا رئيسًا في رفع المحرمات بطرق مفيدة للغرب.

بدأ التغيير عبر رجال الدين، الذين كانوا من أوائل الزعماء الدينيين في العالم المؤيدين للتخصيب المهجري في المختبر حلًا للعقم الزوجي، وسمحت الفتوى الميسرة التي توافق على التلقيح الاصطناعي الصادرة في مصر عام 1980 بإدخال تكنولوجيا عالية تساعد على الإنجاب في العالم الإسلامي، وشهدت العقود التالية طفرة في التلقيح الاصطناعي. واليوم، يعدّ الشرق الأوسط واحدًا من أقوى قطاعات التلقيح الصناعي في العالم.

هذا التطور في الطب الإنجابي ذو التقنية العالية سبّب قفزة إلى الأمام في التسعينيات، مع إدخال شكل جديد وفعّال لعلاج التلقيح الاصطناعي، المعروف باسم حقن الحيوانات المنوية مجهريًا «إنتراسيتوبلازميك»، وهو اختراق يعطي للرجال الذين يعانون من العقم فرصة حقيقية ليصبحوا آباء بيولوجيًا.

وكان مجيء الحقن المجهري في الشرق الأوسط ثورة تكنولوجية هائلة أدت بدورها إلى ثورة اجتماعية. كما سعى الرجال أكثر وأكثر إلى مواجهة العقم على نطاق واسع عبر هذا الحل الجديد المعلن عنها، وتحوّل العقم عند الذكور من مشكلة ذكورية إلى حالة طبية.

وأتاح انتشار الحقن المجهري على صعيد كبير خروج الرجال المصابين بالعقم من جميع أنحاء المنظقة. وساعدت الحكومات في ذلك جنبًا إلى جنب عبر دفعها لجعل علاجات الخصوبة أكثر سهولة عبر التمويل العام.

واليوم، رجال الشرق الأوسط منفتحون بشكل متزايد تجاه مشاكل الخصوبة؛ إذ يتحدثون مع عائلاتهم، ويتبادلون المعلومات مع الأصدقاء والزملاء، وتتبادل الاقتراحات السريرية مع الآخرين الذين يحتاجون إلى مساعدة.

وأوضح نبيل، رجل عقيم في بيروت، لـ«مارسيا» هذا التغيّر في الآراء أثناء دراستها عام 2003 بشأن العقم لدى الرجال في لبنان؛ إذ قال إنّ «الناس يعرفون أنّها مشكلة طبية؛ لذلك نحن لا نشعر أنها مشكلة رجولة أو نسائية، ففي شركتنا هناك ما يقرب من خمسة أشخاص لديهم أطفال عبر التلقيح الصناعي».

وأضاف: «في شركتي، يتحدث الناس عن الأمر، وأُحدّثُ الجميع عنه. ليس لدي مانع»، وقال له رئيسه في العمل: «لقد تزوجت لأكثر من عامين ولم يحدث لزوجتك حمل بعد؟»، فأجابه نبيل: «أحاول، لكن لم يحدث عند زوجتي حمل بعد». وكان مديره متعاطفًا بما فيه الكفاية لإعطائه إجازة لمرافقة زوجته إلى عيادة التلقيح الاصطناعي للجامعة المحلية.

كما أنّ الرجال مثل نبيل وصلوا إلى الاعتراف بمشاكل العقم والسعي للعلاج، فساعد ذلك على تخفيف العبء الثقيل الذي تتحمله الزوجات؛ من التدخل في الخصوصية والنبذ ​​الاجتماعي والتهديدات بالطلاق أو الزواج مرة أخرى وتعدد الزوجات.

وفي الواقع، كان لإدخال التكنولوجيا المتقدمة لعلاج إشكاليات العقم لدى الرجال، واحتواء الرجال في منطقة الشرق الأوسط لهذه التكنولوجيا المتقدمة للغاية، آثار إيجابية على العلاقات بين الجنسين في جميع أنحاء المنطقة.

ومن المؤكد أنّ هناك اختلافات حقيقية وهامة جدًا بين الشرق الأوسط والغرب عندما يتعلق الأمر بالعقم عند الرجال. وفي الشرق الأوسط، يرفض معظم الأزواج المصابون بالعقم استخدام حيوانات منوية من غيرهم؛ على الرغم من الموافقة الدينية لعلاجات وتقنيات أخرى مثل الحقن المجهري.

وفي الغرب، الحقن المجهري «إكسي» متاح على نطاق واسع؛ لكنّ التكلفة في أحيان تجعل من الصعب الوصول إليها، خاصة في الولايات المتحدة. لكنّ العقبة الرئيسة تأتي من صمت الرجال عن الموضوع، وهنا يمكن أن يكون الشرق الأوسط مثالًا رائدًا إيجابيًا.

وأظهرت الدراسات التي أجريت في الغرب أنّ العقم عند الرجال لا يزال مشكلة مخفية ووصمة سيئة، محملة بمشاعر الانتقاص، وتوحي بالعجز، وكثيرًا ما يتحدث المصابون عن ذلك على نحو «إنهزامي»؛ وإذا كانت المرأة في الغرب أحرزت تقدمًا كبيرًا يتعلق بنضالات الخصوبة الخاصة بهن، كان تقدم الرجال في هذا المجال أبطأ كثيرًا.

في الغرب، قد لا ينتهي الوصم النفسي عائقًا أمام التماس العلاج والسعي إليه؛ فمعظم الأزواج الذين يريدون طفلًا أصبحوا الآن منفتحين على التدخل الطبي إذا كانوا قادرين على تحمل تكاليف العلاج. ولكنّ هذا يعني أنّ رجالًا سيعانون من الألم النفسي والعزلة التي لا لزوم لها.

وعلى الرغم من أنّ الشرق الأوسط نادرًا ما يُعتد به نموذجًا للتفكير الجنساني المتقدم؛ فالمنطقة تمثّل حلًا أثبت نجاحه، حسبما نشرت «نيويورك تايمز»، في قوة إعادة صياغة العقم كمشكلة طبية وليس أمرًا متعلقًا بالرجولة. التكنولوجيا يمكن أن تساعد. ولكن، في النهاية، هناك دور كبير للرجال أنفسهم في الحديث عن العقم عند الذكور؛ خاصة عند انخفاض الحيوانات المنوية.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023