شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«تي آر تي وورلد»: تحديات عودة الإخوان إلى الحكم واختيارهم السياسي

أطاح الجيش المصري بحكومة الإخوان المنتخبة ديمقراطيًا، ويعتقد البعض أنّ جماعة الإخوان فقدت فرصتها لتكون بديلًا ممكنًا؛ ولكن المتحدث باسمها قال لصحيفة «تي آر تي وورلد» إنّ دورها كصوت معتدل أكثر حاجة من أي وقت مضى؛ فهل تعود الإخوان ببدائل أخرى؟ هذا ما سلطت عليه الصحيفة الضوء في تقريرها التالي.

يقول «طلعت فهمي»، المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين، بابتسامة: «عودتنا ليست سوى مسألة وقت». هو رجل مسن ذو لحية مهذبة، يعيش في المنفى في إسطنبول، حيث يقضي معظم وقته في إدارة مدرسة الأقصى الدولية، وهي مؤسسة خاصة أنشئت حديثًا تقدّم دورات عن مجموعة من المواضيع باللغة العربية للطلاب في سن المدرسة الثانوية.

في أمسية أوائل أغسطس، أي قبل أيام من الذكرى الرابعة لمذبحة رابعة، يقف خلف مكتبه في المدرسة التي يديرها الآن، ويرتدي قميصًا أبيض هشًا ورابطة عنق زرقاء داكنة. في البداية، يبدو أسلوبه وديًا ودافئًا؛ لكن بمجرد أن يبدأ الحديث عن السياسة ومستقبل الإخوان يكتسب لهجة أكثر قسوة، ووجهه يتحول إلى قاتم.

يقول طلعت إنّ «الأفكار لا تموت، وهدف جماعة الإخوان المسلمين تحرير الشعب». تقول الصحيفة إنه يتحدث بشعور كأن السلطة في يده، بعكس الواقع. فمنذ انقلاب الجيش المصري بقيادة عبدالفتاح السيسي على حكومة الإخوان المسلمين المنتخبة ديمقراطيًا في عام 2013، كان «طلعت» مع كبار مساعديه يبحثون عن مكان يهربون إليه؛ ورأى كثيرون أنّ إسطنبول المنفى المفضل.

في أعقاب مجزرة رابعة في القاهرة، التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص من المتظاهرين العزّل الذين تحدوا الانقلاب العسكري، قاد السيسي حملة قمعية ضد الإخوان وأعلن أنها منظمة إرهابية.

ومنذ ذلك الحين، اختفت القيادة العليا للحزب أو انتقلت إلى قطر أو تركيا. وتعرض زعماء الإخوان إلى الصراع على جبهات مختلفة، وهم يتوقون ويحدقون من احتمالية السجن إذا عادوا إلى مصر في ظل حكم السيسي. وازداد التصور بأن المجموعة تمر باضطرابات داخلية في العامين الماضيين. ويقر طلعت بأنّ التوترات الداخلية اجتاحت بالفعل الجماعة.

ويقول إنّ «مشاكل الإخوان هي أيضًا مشاكل المجتمع، وتحتاج إلى معالجة، لا تتوقف على المستوى المحلي؛ ولكن على الصعيدين الإقليمي والدولي». وقالت الصحيفة إنّ وجهات النظر المختلفة بين الجيل القديم والأعضاء الأصغر سنًا تمثّل تحديًا كبيرًا تواجهه الجماعة.

ويرى القادة المنفيون صعوبة تضييق الخلافات، وهم عاجزون عن تعبئة الناس من أراضٍ أجنبية. وظهرت علامات الانقسام الأيديولوجي إلى الرأي العام؛ ففي مطلع مارس، أصدر جناح محمد كمال في الإخوان بيانًا يتضمن ملاحظات حاسمة للأداء السابق للجماعة، قبل مقتله بستة أشهر على يد الأمن المصري في أكتوبر الماضي.

لم يوافق طلعت على البيان في ذلك الوقت، وقال لوسائل الإعلام إنّ البيان يحمل «دعوة غير مشروعة إلى إجراء مراجعات أو تقييمات». وبعد ستة أشهر من مقتل محمد كمال، لا يزال طلعت يحمل الرأي نفسه.

وبما أن الجماعة تواجه السيسي وتتعامل أيضًا مع الشقوق الداخلية، فمن الصعب التنبؤ بها مرة أخرى في شوارع مصر بالقدر والنفوذ الذين مارستهما في الربيع العربي. ويجب النظر إلى جوانب عدة فيما يتعلق بتنظيم الإخوان، قادتها العليا التي في السجن، بما في ذلك الرئيس محمد مرسي، وقيادات الصف الثاني الذين تمكنوا من الفرار من الحملة العسكرية للسيسي ويعيشون الآن في المنفى. كما تتصارع المجموعة مع التوترات الدولية.

فالسعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين يضغطون بشدة على قطر وتركيا لوقف منح ملجأ لقادة الإخوان. تقول الصحيفة: بالرغم من ذلك، تصمّ الحكومات الغربية آذانها عن الفظائع التي ارتكبها الجيش المصري لقمع المعارضة.

ويقول «إسماعيل يايلاسي»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شهير بإسطنبول، إنّ «أصوات الاستياء كانت دائمًا موجودة في الجماعة؛ لكنها تعود الآن إلى أيامها الأولى».

«كانت هناك انتماءات، مثل الموالية للبنا، مؤسس الجماعة، أو الموالية لسيد قطب، زعيم بارز في التظيم في 1960، وكان هناك دائمًا توتر بين الجناح الموجّه سياسيًا والجناح الموجّه نحو المجتمع؛ فبينما يدافع الأول عن أجندة سياسية، يدافع الآخر عن مسار غير سياسي؛ باعتباره أفضل مسار للجماعة».

يدرس «إسماعيل» الحركات السياسية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وبالنظر إلى الأزمات في وحدة جماعة الإخوان، يقول إنه كلما ساءت الظروف داخل الجماعة تسير جميع الفصائل المختلفة بطرقها الخاصة؛ ويصعب على الموجودين في الخارج تحديد الأولويات.

واعتبر أنصار الإخوان وتقدم الجماعة إجابات ملموسة عن أسئلة: كيف يمكن تمثيل الأفكار والمبادئ الإسلامية في المجال السياسي؟ وكيف يمكن التعبير عنها سلميًا بطريقة ديمقراطية؟ وفي تركيا، حيث يعيش قيادات إخوانيون، ضد الانقلاب المصري منذ البداية وكذلك دولة قطر، استخدم رجب طيب أردوغان مرارًا وتكرارًا «علامة رابعة» رمزًا لقناعاته وفلسفته السياسية. يقول طلعت: «قررنا الاحتجاج هناك حتى يسمع العالم صوتنا، كبشر من حقهم حياة حرة وكريمة».

وأضاف: «الظالمون لا يعرفون سوى القتل والحرق… قتلوا أطفالًا ونساء وشبابًا في رابعة، المذبحة التي أدت إلى مقتل الآلاف من الأبرياء وتركت عشرات الجرحى واعتقلت الآلآف. لقد مرت أربع سنوات عليها وستبقى رمزًا لصمودنا ضد الطغيان».

الخطوة القادمة لجماعة الإخوان

وتقول الصحيفة إنه على الرغم من اعتقاد طلعت أنّ عودة الجماعة في مصر «مسألة وقت فقط»، فهو لا يقدّم جدولًا زمنيًا محددًا أو تفاصيل لاستراتيجية سيتبعها الإخوان. وقد يكون ذلك موقفًا تكتيكيًا لإخفاء النوايا السياسية للجماعة في فترة يمكن أن يكون فيها العمل في سرية أمرًا حيويًا لبقائها ذاته. ولكنه يمكن أن يكون أيضًا علامة على أن الحركة تكافح من أجل الحفاظ على نفسها بطريقة متماسكة.

ومما لا شك فيه أنّ الإخوان يواجهون مشاكل خطيرة يجب التغلب عليها. ففي المقابلة المطولة، اختار المتحدث باسم جماعة الإخوان التحدث بلغة فلسفية وفضفاضة في معظمها عن الشكل الحالي للحركة وتطلعاتها المستقبلية.

فعندما تعاني حركة ما من القمع الشديد والجهود الرامية إلى تقويضها فالحفاظ على هياكلها التنظيمية الداخلية أمر صعب للغاية.

فهناك توترات بين القيادة الراسخة القديمة والقادة الجدد، الذين يشككون في المسار القديم للجماعة؛ أي بين المحافظين والإصلاحيين. ولكن مصطلحات المحافظين والإصلاحيين داخل الجماعة ليست كافية لشرح ما يجري في الداخل، بحسب الصحيفة، ويعتقد «إسماعيل يايلاسي» أنّ هناك كثيرًا من الاختلافات داخل التنظيم. ودعت اللجنة الإدارية، في بيانها الصادر في مارس، إلى اتخاذ مزيد من الأفعال وتقليل لغة الحوار؛ ما فرض قيودًا على قيادة التنظيم في المنفى وفقدان فرص بالتوقف عن فعل أي شيء.

وقد أصبح طلعت وقيادات الإخوان من المدافعين عن الخط القديم المعارض لما يريد أن يفعله شباب الإخوان داخل مصر. «إن الخلاف الرئيس بين المجموعتين هو رغبة الجيل القديم في الدخول في حوار سياسي ومصالحة مع النظام الحالي، في حين أن المجموعة الموجودة في القاهرة ترفض تمامًا فكرة المصالحة، وهي أكثر تساهلًا تجاه استخدام العنف». غير أنّ طلعت ينفي أيّ نوع من الانقسام داخل التنظيم، قائلًا إن التنظيم لديه هيكل ملموس لمناقشة مشاكله الخاصة ووضع جدول أعمال مناسب.

فيقول: «في أي تنظيم من الطبيعي أن تنقسم الآراء، ومن الطبيعي أن تكون هناك آراء مختلفة؛ حتى في جماعة الإخوان المسلمين. أما إذا كان شخص ما يعارض المبادئ الأساسية فهو تلقائيًا خارج التنظيم»، ويضيف: «هناك مجلس الشورى، نناقش فيه مشاكلنا، والجميع يكون لديه آراء ويُستمع إليها، والحزب لديه الكلمة الأخيرة؛ فإذا لم تقبل ذلك فأنت خارج التنظيم». ويرى مجلس شورى الإخوان أنّ الجماعة لديها موقف محدد، وهو ألا تلجأ إلى أي نوع من العنف مهما كان الثمن، كما يقول طلعت بلهجة مريرة. «الأمة أكثر أهمية من الحزب (الإخوان المسلمين)».

وبنبرة قوية، قال «فهمي»: إذا اندلع صراع مسلح ضد النظام المصري من الإخوان فستكون حربًا أهلية مريرة ومأزقًا سياسيًا، وستصبح مصر سوريا جديدة، ينبغي تجنبها مهما كان الثمن. ويجب على الأحزاب أن تعمل ضمن نسيج وطني، وإذا انهارت الأمة فلن يكون هناك أحزاب أو فائزون،  في إشارة إلى الصراع المسلح ضد السلطة. وفي حال اختيار غياب حراك مسلح فالأمر مسألة وقت فقط، الوقت هو الحاسم النهائي.

تقول الصحيفة إنه على الرغم من أنّ لكل حركة سياسية جدولًا زمنيًا لتحركاتهًا، فضّل «فهمي» التأكيد بأن جماعة الإخوان ليست لديها «مهلة محددة» للتصدي للتحديات التي تواجهها. وقال إن هذه التحديات ليست فقط للحركات أو الجماعات السياسية؛ ولكنها أيضًا تحدٍ للمجتمع المصري ككل، ولا بد من معالجته على المستوى المحلي، وأيضًا على المستويين الإقليمي والدولي. وتحدث طلعت مرة أخرى عن عامل الوقت. لكن الناس العاديين يريدون المضي قدمًا في حياتهم بغض النظر عما حدث لجماعة الإخوان أو أي حركات أخرى، وليس من الواضح كيف يمكن للجماعة أن تستأنف وأن تظل ذات صلة بالناس العاديين في مصر. يقول طلعت: «ببساطة، تستعد لوقتها حينما يحين».

ويضيف: «إذا تحققت من استطلاعات الرأي الأخيرة المتعلقة بالسياسة المصرية فسترى أن هناك علاقة بين الإخوان والناس العاديين؛ إذ زادت شعبية الإخوان مقابل الحركات والجماعات التي دعمت الانقلاب»، ويضيف بثقة: «في الواقع، من كانوا في السابق ضد جماعة الإخوان غيّروا رأيهم واعترفوا بأن مصر كانت أفضل في ظل حكمها مما يحدث الآن». تقول الصحيفة إن طلعت يرى عودة الجماعة مجرد مسألة وقت؛ لكن ذلك يعتمد على قدرة الحركة على البقاء على قيد الحياة وبقائها متصلة بالناس في الشارع.

ويتساءل إسماعيل يايلاسي: «ماذا سيفعلون مع السيسي؟»، إن الذين بقوا في السجون في قيادة سيد قطب يدعون إلى توجه غير سياسي. الآن يقولون إننا بحاجة إلى حل وسط مع السيسي والعودة إلى طريقتنا القديمة للعمل كما كان في السبعينيات. لكنّ أعضاء الجماعة الشباب يعارضون بشدة هذا الموقف ويرغبون في تبني أساليب الجماعات السلفية العنيفة، مثل تنظيم القاعدة؛ إذ كان أيمن الظواهري عضوًا سابقًا في جماعة الإخوان قبل أن يصبح واحدًا من كبار قادة تنظيم القاعدة؛ فالشباب أكثر ميلًا نحو أخذ طريق الظواهري.

ويضيف «إسماعيل» أنّ النظام المصري يدفعهم إلى المواجهات المسلحة؛ من أجل وصمهم بأنهم غير ديمقراطيين أو سلميين، لكن إلى متى يمكن أن تنتهج الجماعة نهجًا غير عنيف؛ فهو أمر ليس واضحًا تمامًا. بقاء الحركة بفضل هيكلها التنظيمي الاستثنائي ومواردها البشرية القوية، كانت جماعة الإخوان واحدًا من أقوى التنظيمات السياسية الإسلامية في العالم منذ عقود، على الرغم من أن معظم تلك الفترة كانت فها معارضة، وكان زعيمها المؤسس «البنا» مدرسًا متقاعدًا من أصل متواضع، ومصدر إلهام لسنوات لأعضاء الجماعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في وقت قضاء مصطفى كمال أتاتورك على الخلافة العثمانية، الممثل السياسي للمسلمين، وتحركت الجماعة للمطالبة بحيّز سياسي للدول الإسلامية في الوقت الذي اُستُعمر فيه العالم الإسلامي في الغالب من الإمبرياليين الغربيين وكان يمر بأزمات.

وقاتلت الجماعة ضد القوى الاستعمارية في مصر في الثلاثينيات والأربعينات من القرن الماضي، وانضمت إلى إخوتها الفلسطينيين للدفاع عن فلسطين ضد العدوان الإسرائيلي عام 1948. ولم يترددوا في مواجهة الحكام المصريين من جمال عبدالناصر إلى أنور السادات. لكنهم نجوا في مصر، وأيضًا في بلدان أخرى، بما فيها تونس؛ فـ«النهضة» بقيادة زعيمها راشد الغنوشي، الذي اختار الانسحاب من السلطة في عام 2014 تحت ضغط التحالف العلماني المدعوم من بيروقراطية الدولة تضامنًا مع سقوط حركات الربيع العربي. وأعلن أردوغان تأييده للحركة حتى بعد خروجها من السلطة. وبين سلطة إيران الشيعية وقوة داعش السنية، يمكن للإخوان إعادة توطين أنفسهم بصوت معتدل نحو التطلعات السياسية للأمة الإسلامية. ويقول «طلعت»، المتحدث باسم التنظيم: «نحن منغمسون في المجتمع»، مضيفًا أنّه لا يمكن القضاء عليه ما دام أنّ النظام المصري يريد تدمير الدولة ذاتها التي كانت سلطتها قائمة عليها.

«13 مليونًا صوتوا لصالح الدكتور محمد مرسي. إذا افترضنا أن ثلاثة ملايين منهم قادمون من قطاعات أخرى في المجتمع المصري؛ لكنّ ما لا يقل عن عشرة ملايين يؤمنون بالإسلام بهذه الطريقة، أي كما يفكر الإخوان في مصر». كما أنّ هناك عددًا كثيرًا من السكان في الدول الإسلامية الأخرى يؤمنون برؤية جماعة الإخوان وأفكارها والإسلام الذي تمثله.

وتقول الصحيفة إنه على الرغم من أنّ تركيا ذات طابع علماني منذ عقود، سيطر «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية على المشهد على مدى السنوات الـ15 الماضية. وفي مواجهة محور روسي أميرکي محير للعقل أو «سايكس بيكو» جديد في الشرق الأوسط، الذي يتعرض أيضًا إلى التهديد من الهلال الشيعي الإيراني؛ لا يزال الإخوان أفضل المرشحين لإجراء توازن غير عنيف متناغم مع المبادئ الديمقراطية في العالم السني.

بينما يختم فهمي قائلًا إنه «لا يوجد تناقض بين الإسلام والديمقراطية. نحن نحاول أن نبذل قصارى جهدنا من أجل الناس دون التعارض مع مشيئة الله؛ لكنها مهمة صعبة على أي حال».

المصدر



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية