شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«ميدل إيست مونيتور»: مجزرة رابعة.. لقد أحرقوهم أمواتا وأحياء

رابعة

كانت الطبيبة الميدانية حنان الأمين في غرفة عمليات مؤقتة بمستشفى رابعة الميداني عندما اقتحمتها قوات الأمن وأمرتها وطبيبًا آخر بالمغادرة.

كان المريض على الطاولة بطنه مفتوح، وكانت هناك ست رصاصات في كبده وطحاله، قالت الدكتورة للضابط إنها لا تستطيع المغادرة وترك المرضى، وكان هناك ثلاثة منهم؛ فأخرج الضابط سلاحه وأطلق النار على كل واحد منهم رصاصة في القلب.

تقول «حنان»: «في تلك المرحلة فقدتُّ القدرة على التفكير»، ثم تستعيد الموقف باكية: «كل ما يمكن أن أفكر فيه أن هؤلاء بشر ومن شعبي». مضيفة أن حياتها توقفت يوم 14 أغسطس ولا تستطيع الانتقال إلى اليوم التالي: «توقفت حياتي عند هذه اللحظة».

مثل الإسرائيليين!

قبل أربع سنوات، هاجمت قوات الأمن المتظاهرين في ميدان رابعة المتجمعين للاحتجاج ضد الانقلاب على الدكتور محمد مرسي، أول رئيس منتخب في مصر.

ولمدة 12 ساعة متواصلة، أطلقت الشرطة النيران بصورة عشوائية تجاه الحشود، وسحقت الجرافات خيام المعتصمين وأشعلت قوات الأمن النيران فيها.

وبعد ذبحهم المتظاهرين، توجّهوا إلى المستشفى الميداني؛ إذ كان الأطباء -بمن فيهم «حنان»- متطوعين.

تقول «ميدل إيست مونيتور» إنّ المتظاهرين بدؤوا التجمع قبل شهر ونصف تقريبًا من المجزرة. وتعيش الطبيبة الميدانية حنان الأمين في مبنى مقابل للاعتصام، وتذهب إليهم كل يوم بضع ساعات.

وتضيف الصحيفة: «مع مرور الأيام ومواصلة المتظاهرين المطالبة بحقوقهم، قرّرت حنان أن تلزم نفسها بالعمل في الميدان، وبدأت تشعر بأنها قضية أم ومستقبل أولادها»، لافتة إلى أنها أرادت أن تكون مثالًا يحتذي به الناس للتطوع للمشاركة في التظاهرات السلمية وإنقاذ البلاد والمطالبة بحياة أفضل للشعب.

وهي صغيرة، أرادت «حنان» أن تصبح طبيبة جيدة. لكن، لا شيء مما تعلمته في مدرستها أو الجامعة لم يعدها لما رأته يوم المجزرة.

تقول الطبيبة: «لم أكن أتصور طوال الثلاثين عامًا الماضية أن أتعامل مع حالات ومشاهد مثل التي رأيتها في رابعة، رأيت ما فعله الإسرائيليون بالفلسطينيين؛ لكني لم أفكر أبدا أنني سوف أرى المصريين يفعلون ذلك أيضًا لشعبهم».

وأضافت: «لم أفكّر أبدًا أنني سأرى متظاهرين يطالبون بحقوقهم يُجرحون ويُقتلون بواسطة جيشهم وشرطتهم، التي تقتضي مهمتهما الدفاع عنهم».

في الأيام التي سبقت المجزرة، شاركت «حنان» في التظاهرات؛ ففي فترة الظهيرة، بينما يستريح المعتصمون، نظّمت مع أخريات مسيرات نسائية للمساعدة في تحفيز الآخرين. وكانت قررت أن تخرج لمدة ساعة يوميًا في تلك التظاهرات ثم تواصل العمل.

وتقول: «كانت تلك طريقتي في إعادة شحن نفسي، شعرت أن المظاهرات هي ما أبقت كل شيئًا حيًا في الميدان، وفي الأيام التي لم أتمكن فيها من المشاركة كنت أنظر إليهم من النافذة كي أحصل على التحفيز».

وقالت إن كثيرين من الأطباء في المستشفى الميداني كانوا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولكن ليس جميعهم. مدير المستشفى، على سبيل المثال، لم يكن؛ وكانت هناك أيضًا جماعات بين المتظاهرين تعتقد فقط في حق المصريين في العيش بحرية.

وتضيف أن الجميع كان يؤمن بحق الشعب في التعبير عن رأيه وتقرير المصير، وكنا نؤمن بحقنا في ممارسة الديمقراطية، وأن الشعب الذي أبهر الجميع بثورته له الحق في أن يعيش حياته بالطريقة التي يريدها. لكنه لم يكن كافيًا لإنقاذ الناس في ذلك اليوم.

بدأت المجزرة في السابعة صباحًا، ومنذ بدايتها عملت «حنان» وزملاؤها بلا كلل لمحاولة علاج الجرحى، وبحلول الساعة الثالثة عصرًا نفدت الأدوية، وتقول: «كنت هناك وأقف عاجزة ولم أستطع أن أفعل شيئًا. في تلك اللحظات كرهت نفسي وكرهت الطب. كرهت كل شيء».

وأضافت: «تجمّع أطفالٌ يبدو على وجههم الرعب في المسجد بحثًا عن الأمان، لكن الغاز المسيل للدموع كان يخنقهم، ومُنعت سيارات الإسعاف من دخول الساحة، كانت منطقة حرب، الهدف من وراء ذلك غرس الخوف وترهيب الشعب، وأعلنوا علينا حرب الإبادة الجماعية ذلك اليوم».

المستشفيات في ميدان رابعة جُهزت؛ لكن «حنان» تقول إنهم تلقوا أوامر مباشرة من السلطات بمنع سيارات الإسعاف، ومنع دخول المرضى. وأصدرت تعليمات للصيدليات المحيطة بألا تعطيهم أدوية.

اصطحب الضابط الذي أطلق النار على المرضى الطبيبة معه، وأثناء خروجهم طالبها صبي جريح ألا تتركه؛ لكنها لم تجرؤ على الإلتفات إليه حتى لا يطلق الضابط النار عليه.

أثناء خروجها رأت الدخان يتصاعد من المستشفى، الذي كان لا يزال مليئًا بالجرحى، وقالت: «قوات الأمن أشعلت النار فيه، لقد أحرقوهم قتلى وأحياء».

تعرف «حنان» طبيبًا أصيب بعيار ناري في ظهره، وهو الآن مشلول ويستخدم الكرسي المتحرك، لكن بعضهم نجا في ذلك اليوم، ربما كتب الله لهم أن يعيشوا كي يكونوا شهودًا على المجزرة، كما تقول «حنان».

ولأنهم كانوا خائفين، هرّب الناس جثث ذويهم متخفيين ودفنوهم. ولم ينتظر كثيرون منهم شهادات الوفاة الرسمية؛ لأنهم خائفون جدًا من ملاحقتهم ومعاقبتهم.

وبعد فترة من المجزرة، اعترف ضابط بأنهم جرفوا 700 جثة ونقلوها إلى جبل الأحمر بالقرب من مصر الجديدة ودفنوها، بالرغم من أن بعضهم لا زالوا أحياء حينها؛ لهذا السبب تعتقد «حنان» أن عدد القتلى من المرجح أن يكون أعلى بكثير من ألف.

ثلاثة أهداف

وقالت «حنان» إنّ قوات الأمن كانت لها ثلاثة أهداف واضحة في 14 أغسطس 2013؛ أولًا: القضاء على كل من كان هناك، ثانيًا: تخويف أي شخص آخر يفكر في معارضة النظام وترهيبه، وأخيرًا: أرادوا تصوير ذلك على أنه نصر عسكري.

لكنّ ما نجحوا فيه هو تقسيم المجتمع إلى قسمين، بحسب الطبيبة الميدانية، التي قالت: «نصف قُتل والنصف الآخر سعيد بأنهم قتلوا»، موضحة أنّ هذا الانقسام سيستغرق عقودًا كي يشفى، وقالت: «كل من تورط سيعاقب، وسيشفى غليل الشعب».

بينما وقف المجتمع الدولي يراقب بصمت من الساعة السابعة صباحًا وحتى السادسة مساء، على الرغم من حرق البشر وقتلهم أمام أعين العالم وآذانهم. هذا اليوم عارٌ على البشرية ككل، بحسب «حنان».

وتضيف: «كطبيبة أطفال، لم أحب المهنة أو أكرهها أكثر من يوم رابعة. شعرت بالقيمة الحقيقية للطب. أنا أحب مهنتي لأنني شعرت بقيمتها، لكني أيضًا أكرهها كثيرًا لأنني لم أشعر بعجز مثل ذلك اليوم، لم أفكر أبدًا أنني سأكون طبيبة عاجزة. لم أكن أعتقد أنني سأرى مريضًا أمامي دون أن أكون قادرة على التعامل معه».

وستظل آثار رابعة باقية لسنوات قادمة، كما تقول. بعض الناس كانوا خائفين جدًا لدرجة أنهم لم يستطيعوا معالجة أطفالهم الذين كانوا بصحبتهم من آثار الصدمة، وأصبح بعضهم أيتامًا، وبعضهم آباؤهم في السجون.

وتختم حنان الأمين الطبيبة الميدانية بقولها: «أثق أن الأطفال الذين كانوا في رابعة هم كنزنا الاستراتيجي، وبعدما حدث معهم لن يقبلوا أن يعيشوا عبيدًا أبدًا».

المصدر



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية