شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

فورين أفيرز: ترامب يعود بأميركا للقرن التاسع عشر

نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالا لأستاذ العلوم السياسية تشارلز كوبتشان، يقول فيه إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمد خلال خطابه في الجمعية العامة في الأمم المتحدة أن يوحي بأن أميركا ستقطع علاقتها مع الإجماع الدولي، الذي كانت تستأنس به لوضع استراتيجياتها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، فقال: «لن نسلم سيادتها إلى بيروقراطية غير منتخبة ولا تخضع للمساءلة».

وتنقل المجلة عن ترامب، قوله: «البلدان ذات السيادة والمستقلة هي الوسيلة الوحيدة التي انتعشت فيها الحرية، واستمرت فيها الديمقراطية، وانتعش فيها السلام، ولذلك علينا حماية سيادتنا واستقلالنا العزيز علينا».

ويعلق الكاتب في مقاله، الذي ترجمته «عربي21»، قائلا إنه صب ماء على التعددية والحكم على مستوى العالم، وما تبع ذلك من تعليقات أشارت إلى مدى ابتعاد رسالته عن رسائل سابقيه.

ويستدرك كوبتشان بأن «سياسة ترامب ليست غريبة عن تاريخ أميركا، فقد تخلى عن مبادئ رئيسية في السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، لصالح نزعة فكرية أخرى حول دور أميركا في العالم».

ويقول الكاتب: «فكما حاججت في نسخة مارس/ أبريل 2018 من هذه المجلة، تحت عنوان (صدام الاستثنائيات)، فإن (أميركا أولا) له جذور عميقة في الماضي، إنه عودة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى تكرار سابق للاستثناء الأميركي، وضرب قديم من إدارة الدولة، ومعاداة المشاركة الأميركية في تحالفات دولية والحماية الاقتصادية، والنفور من ترويج الديمقراطية والقومية المطعمة بالعنصرية والنزعة الانعزالية، وهذه الأوجه لمقاربة ترامب: (أميركا أولا)، تعود لتفكير أبقى السياسة الأميركية الخارجية راسية لمعظم تاريخ أميركا قبل الهجوم الياباني على بيرل هاربر».

ويعلق كوبتشان قائلا إنه لم يعرف عن ترامب عمق وسعة معلوماته التاريخية، فإنه «في الغالب لا يبني سياسته الخارجية بناء على قراءة مفصلة لتاريخ أميركا، لكن يبدو أنه يمتلك المقدرة على جذب قاعدة في القلب الأميريي، تشعر بأنها تأثرت سلبا بالعولمة والهجرة ومفهوم موسع للالتزامات الدولية، ولذلك فهي تحن إلى أميركا في الماضي».

ويشير الكاتب إلى أن ترامب هاجم في خطابه أمام الجمعية العمومية تعددية الأطراف بعد الحرب العالمية الثانية، وشدد على أن أولويته هي استعادته للسيادة الوطنية، ثم أخذ بعدها يوجه قذائفه واحدة تلو الأخرى على المؤسسات الدولية، بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية والميثاق العالمي للهجرة ومجلس حقوق الإنسان.
ويفيد كوبتشان بأن ترامب دعا في خطابه العام الماضي أمام الجمعية ذاتها إلى «دول ذات سيادة قوية»، كل واحدة منها تحاول أن تضع نفسها أولا، ودعم ترامب كلامه بالفعل، فانسحب من اتفاق تلو الآخر، من اتفاق باريس والاتفاقية النووية مع إيران، بالإضافة إلى أنه عين جون بولتون مستشارا للأمن القومي، وهو المعروف بعدائه للتعاقدات التي تمس السيادة الأميركية.

ويلفت الكاتب إلى أن ترامب يعادي حتى المؤسسات التي لا تشارك أميركا في عضويتها، فهو يدعم انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ويؤيد الحكومات الشعبوية في كل من إيطاليا وبولندا وهنغاريا، المعادية لمشروع الاندماج الأوروبي.

ويقول كوبتشان: «صحيح أن أحادية ترامب تعد انفصالا حادا مع الماضي القريب، لكن هذا لا يجعلها أمرا جديدا، فحتى الحرب العالمية الثانية كانت أميركا تفضل أن تسير وحدها، وكانت ترفض تحالفا تلو آخر، بما في ذلك عصبة الأمم، التي كانت فكرة الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، كما قال جورج واشنطن في خطاب وداعه: «إن القاعدة العظيمة للسلوك فيما يتعلق بتعاملنا مع الأمم الأجنبية هي في توسيع علاقاتنا التجارية، ليكون معهم أقل اتصال سياسي ممكن».

ويؤكد الباحث أن «ترامب يركز على العلاقات التجارية مع الأمم، وهو يفضل الحماية والتبادلية على التجارة الحرة، وأصر في الأمم المتحدة أمس على أن التجارة يجب أن تكون (عادلة وتبادلية)، وقد أشعل ترامب عدة حروب تجارية، من حلال فرض تعرفة على الواردات لحماية المصنعين الأميركيين، ويريد من شركائه التجاريين أن يفسحوا مجالا أفضل أمام البضائع الأميركية».

ويعلق كوبتشان قائلا إن «هذا أيضا ليس جديدا، فالاتفاقية المثالية أو ما يدعى (موديل تريتي)، التي كتب مسودتها بشكل رئيسي جون آدمز، ووافق عليها الكونغرس في 17 سبتمبر 1776، دعت للتبادلية وليس للتجارة الحرة مع البلدان الأخرى، بالإضافة إلى أن التعرفة حمت القاعدة الصناعية لأميركا منذ نشأتها إلى أن أصبحت قوة عظمى».

ويجد الكاتب أن «نظرة ترامب إلى الديمقراطية تشبه تلك التي كانت سائدة في وقت سابق، أكثر من تشابهها مع التوافق الذي ساد ما بعد الحرب العالمية الثانية، ودعا لكل أمة أن تشق طريقها بالشكل الذي تريده هي، فقال في خطابه: (أحترم حق كل أمة في هذه القاعة في أن تمارس عاداتها ومعتقداتها وتقاليدها، ولن تملي عليكم الولايات المتحدة كيف تعيشون وكيف تعملون وكيف تتعبدون، وكل ما نطلبه هو أن تحترموا سيادتنا في المقابل)، ويبدو في الواقع أن ترامب يفضل الديكتاتوريين، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جنغ أون، على حلفائه الديمقراطيين، مثل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو».

ويقول كوبتشان: «قد يكون المؤسسون لا يتفقون مع ترامب في حبه للديكتاتورية، لكنهم يشاركونه التشكك في التدخل في شؤون الدول الأخرى، وسواء كان في أميركا اللاتينة في عشرينيات القرن التاسع عشر أو في أوروبا في أربعينيات القرن التاسع عشر، فإن أميركا أضاعت أكثر من فرصة للتدخل لدعم الليبرالية، وكان المنطق الذي يحكم هذا الموقف هو أن التدخل لا يتماشى مع المبادئ الأميركية، كما كانت هناك خشية من التورط في صراعات بعيدة معقدة».

وينوه الباحث إلى أن «مفهوم ترامب للهوية الأميركية، والمطعم بالعنصرية والعداء للمهاجرين الملونين أيضا، له جذور تاريخية في أميركا، وقد حاولت أميركا بعد حرب التحرير والبناء أكثر من مرة أن تضم كندا؛ وذلك لأنه كان يسكنها البيض، بينما رفض الكونجرس محاولة تلو أخرى لمد الحدود الأميركية جنوبا مثلا لسانتو دومينغو وهاييتي وكوبا؛ وذلك للتردد في دمج (شعوبا دنيا) إلى الجسد السياسي الأميركي».

ويبين كوبتشان أن «مؤسسي فكرة الانعزالية كانوا يعتقدون بأن أميركا أمة متميزة، وللحفاظ على أمن الأمة وتجربتها الديمقراطية المتميزة كان يجب عليها أن تبتعد عن العالم الخطر، وإن لم يكن ترامب أعاد أميركا إلى الانعزال، فلا تزال تقوم بالتزاماتها الدولية، إلا أن ترامب يحكم بالحدس وحدسه انعزالي، وقد أعرب عن رغبته في الانسحاب من حلف شمال الأطلسي ومن كوريا الجنوبية وأفغانستان وسوريا».

ويختم الباحث مقاله بالقول إن «ترامب فتح الباب على مصراعيه لحوار مهم حول دور أميركا في العالم، لكن الجواب لا يكمن في الرجوع للخلف وما تحتاجه أميركا هو نسخة مطورة من الاستثنائية للعصر الحديث، واستراتيجية على مستوى ذلك».



X