شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

تحليل بـ«ناشيونال إنتريست»: السعوديون جروح لا تلتئم في الشرق الأوسط

السجون السعودية

تتعرّض دول الخليج إلى ضغوط داخلية وخارجية، تسلّط الأضواء على معدلات البطالة المتزايدة فيها ومستويات التضخم المرتفعة، الناتجة عن سياساتها، وفرضت ضغوطًا على الأنظمة الحاكمة فيها؛ ومن المحتمل أن تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه.

وبالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عنها ابن سلمان، فإنّه سلك أيضًا طريقًا في مسار الإصلاح الإسلامي؛ ما ينطوي على عواقب أوسع لدور الإسلام في الحياة السياسية والاجتماعية للسعودية، التي خرّجت جهاديين و«متطرفين» كثر على مدار السنوات الماضية.

هذا ما يراه الباحث في مركز إسطنبول للسياسات بجامعة سابانسي «بينار أكبينار» في تحليله بصحيفة «ناشيونال إنتريست» وترجمته «شبكة رصد»، مضيفًا أنّ السعودية تواجه نقاط ضعف فطرية في الأساس على الجبهتين الأيديولوجية والسياسية؛ إذ أعطت الأولوية لسياساتها الخارجية على حساب الاستقرار الإفليمي، وحتى الاستقرار الداخلي. وجاء ابن سلمان بطريقة غير معهودة، متخطيًا ابن نايف، فيما اعتبر انقلابًا؛ وبعدها تبنّت السلطات السعودية قبضة حديدية ضد البدائل السياسية.

الملك سلمان والأمير مقرن والأمير محمد بن نايف وخلفهم محمد بن سلمان

وعلى صعيد أوسع، تريد السعودية إدامة نظام ما بعد الاستعمار في المنطقة، الذي كلّف سلالة آل سعود بالنفوذ الاقتصادي والأمني، وبناءً على هذه المزايا فالسياسة الخارجية السعودية استندت إلى مظلة الأمن الأميركية والبترودولار ودور العائلة المالكة حارسًا لأقدس مدينة في الإسلام، واتّبعت نمطًا مواليًا للغرب وسيلة للحفاظ على الخريطة السياسية للمنطقة كما هي.

وكان الربيع العربي بمثابة ضربة قاصمة للسعودية وسياستها التقليدية الراسخة؛ فتناقصت قدرتها على الحفاظ على المصالح الأميركية، وكشف أنّ التغيير حتمي في المملكة ولو بعد حين؛ وهو السبب الذي دفع ابن سلمان لمواجهة البدائل السياسية المحتملة من أجل الحفاظ على مكانته والوضع كما هو عليه.

وكانت استجابة السعودية للربيع العربي ذات ثلاثة أبعاد؛ فهو أولا مثل لها مشكلة أمنية داخلية، إذ تبعت ثورات الربيع العربي احتجاجات شيعية في شرق المملكة في 2011 و2012، وسارعت لاحتوائها، وبجانب ذلك تدخلت عسكريًا في البحرين لقمع المحتجين الشيعة.

العاهل البحريني حمد بن عيسى يتوسط نظيره السعودي سلمان بن عبدالعزيز وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد

هذه التحديات غلّفت بالتهديد الإيراني الذي يواجه المملكة، وكان فرصة مفيدة في توحيد الدول الخليجية؛ لكنها فشلت بالطبع، وتشعر السعودية بالحزن من تراجع النفوذ السني في العراق وسوريا ولبنان لصالح النفوذ الشيعي؛ إذ أدّت الطائفية دورًا كبيرا في الصراع بين السعودية وإيران بعد ثورات الربيع العربي، كما ساهم التهديد الإيراني في التقريب بين السعودية وسياساتها وأميركا، إضافة إلى مصر والبحرين والأردن؛ وهو التحالف الذي يمكن أن نطلق عليه «التحالف المعادي للثورات».

وفي محاولات لمواجهتها تحركت المؤسسة السعودية لضرب الأصول الإيرانية الإقليمية، عبر الحروب بالوكالة؛ فشلت السعودية في تحقيق طموحاتها في اليمن وسوريا والعراق وغيرها، ما أدّى في النهاية إلى التباين الإقليمي.

وفيما يخص الإخوان، عارضت السعودية بشدة محاولات تمكينهم في دول عدة، أبرزها مصر؛ بالرغم من أنّ الجماعة ظهرت بديلًا سياسيًا فعالًا في مصر وليبيا وتونس واليمن، وأدّت محاولات السعودية في النهاية إلى زيادة التعقيد الإقليمي، وبالرغم من أنّ الوجهة الأولى للرئيس محمد مرسي كانت الرياض؛ فالسعوديون كانوا أبعد ما يكون عن تأييده، وبناءً عليه أجّلوا المساعدات المقرر إرسالها لمصر إلى ما بعد الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي.

الملك سلمان وعبدالفتاح السيسي – أرشيفية

ولم تكن السعودية وحدها الرافضة لوجود الإخوان في مصر، بل وأميركا كذلك والإمارات وغيرهما.

ومع هيمنة جهاز المخابرات العسكرية على السياسة المصرية والقلق الإسرائيلي من الإسلاموية، لم تضطر السعودية إلى إقناع الشركاء الغربيين بالصمت على الانقلاب العسكري في مصر، الذي كان يُعتقد أنه أعاد صعود الكتلة السعودية الغربية في ميزان القوى الإقليمي. 

ونتيجة لذلك؛ عمل رد الفعل الغربي المخفف في مصر على إصلاح العلاقة المتزعزعة مع القاهرة، إضافة إلى استقرار العلاقة المتوازنة بين أميركا والسعودية، التي دعمت والإمارات مصر بكثرة بالمال والسياسة؛ وفي الوقت نفسه لم تحقق محاولاتها للتقرب من روسيا والصين أيّ نتائج ملموسة.

وبذلك ضيّعت السعودية استراتيجية كانت لتحفاظ على توازن القوى لصالحها، عبر تأمين تكتلات متشابهة التوجهات والتفكير. وعلى العكس، أدّى ذلك إلى حدة الخلافات والصراعات الإقليمية والطائفية. وعلى كلّ، نجت إلى حد ما في الحفاظ على أمن حدودها باستثناء الصواريخ التي تطلق من اليمن على الرياض.

عقبات في طريق السعودية

موقف السعودية الرافض لنداءات التغيير لم يسبب أي عائق أمام أهدافها؛ لكنّ عجزها عن استيعاب البدلاء قوّض وحدة الحركة السنية، ودون دعم أميركي ثابت ومستمر من المحتمل أن تنهار دول مجلس التعاون الخليجي؛ والأسوأ من ذلك ستبقى النيران مشتعلة في المنطقة لأمد غير مسمى. وقبل كل شيء، أخلت السعودية بنظام التوريث المتبع داخليًا منذ عقود.

ابن سلمان وترامب

كما أضعفت محاولات السعودية لوقف انتشار الإسلام السياسي من احتمالية إعادة إحياء الشرعية للأنظمة العربية، وكانت مواجهاتها ضد الإخوان على سبيل المثال غير منظمة ولا تستوعب التغيّرات التي تمر بها المنطقة؛ ما أدّى إلى فشلها في النهاية ووصم النظام السعودي بالاستبدادية. لكنها من ناحية أخرى تمكّنت من استيعاب الانقسامات الداخلية بطرق تقليدية قائمة على الاستبداد والقمع.

وبشكل عام، لا يزال الإسلام السياسي مشكلة كبرى للرياض في أماكن عدة، بل لجميع الأنظمة السياسية في الخليج؛ فبعد أن اختفت البدائل السياسية يتحتم على السعودية الآن إيجاد بديل للجفاظ على الاستقرار الإقليمي، وربما كان ظهور «تنظيم الدولة» مُرحّبًا به في البداية من وسطاء سعوديين، وسرعان ما أصبح التنظيم تهديدًا خطيرًا للسعودية وأمنها ومصالحا وأهدافها في سوريا والعراق؛ بل حتى تهديدًا أكبر من القاعدة، لأنه كان يرغب في الإطاحة بجميع الأنظمة السياسية في الدول الخليجية، التي يرى حكامها كافرين.

بالإضافة إلى ذلك، أثبتت النظرة الأيديولوجية والرسالة النظرية لتنظيم الدولة أنه معادٍ للأيديولوجية التي تقوم عليها الدول الخليجية. بجانب ذلك، كشف صعود تنظيم الدولة إلى الفراغ في العالم الإسلامي وأنّ الدول السنية عاجزة عن ملء هذا الفراغ، سواء السعودية أو غيرها.

وبخلاف الاهتمامات الأيديولوجية، كانت الوحدة الخليجية المفترضة ضد التحديات المشتركة مجرد وهم. وفي الواقع، كانت العلاقات السعودية مع دول مجلس التعاون الخليجي بعيدة عن أن تكون سلسة؛ إذ تصاعدت الصراعات بشكل خاص من النزاعات الإقليمية والاختلافات السياسية.



X