شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

«لوب لوج»: سيناريوهات ما بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النووي.. ومصير «الضحايا»

الرئيس الإيراني حسن روحاني - أرشيفية

في المدّة المقبلة، ستعيد أميركا تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيران؛ وهذه خطوة سيئة، خاصة للشعب الإيراني. وكان لدى أميركا اختيارات مناسبة أكثر من ذلك؛ مثل إعادة فرض العقوبات بطريقة تدريجية، كوسيلة للضغط على إيران وجلبها لطاولة المفاوضات؛ لإجراء محادثات بشأن تعديل الاتفاقية أو التفاوض على غيرها تقيّد البرامج العسكرية لإيران.

وبدلًا من ذلك، اختار ترامب نهجًا أكثر تطرّفًا؛ عبر إعادة فرض جميع العقوبات الأميركية السابقة لخطة العمل المشتركة. ولم يكتفِ بذلك، بل ترك الباب مفتوحًا أمام فرض مزيد من العقوبات، وأكّد خبير العقوبات في جامعة كولومبيا «ريتشارد نيفوه» أنّ قرار ترامب هو الأكثر تطرفًا، محذّرًا من أن تؤدي خطوته إلى حرب شاملة في المنطقة.

هذا ما يراه الباحث في الشؤون الدولية والسياسة الأميركية «ديريك دافيسون» في مقاله بصحيفة «لوب لوج» الأميركية وترجمته «شبكة رصد»، مضيفًا أنّ دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أصابها الإحباط مما فعله ترامب؛ فبعد توقيع الاتفاقية في 2015 انخرطوا مع إيران في استثمارات بمليارات الدولارات، لذلك سعوا إلى إغرائها بالبقاء في الاتفاقية بالرغم من الانسحاب الأميركي الوشيك. وانطلق وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في جولة خارجية شملت الصين وروسيا وبلجيكا بحثًا عن «تصميم مستقبلي واضح للاتفاق، وحماية الشعب الإيراني من التهوّر الأميركي وحماية الشركاء الأوروبيين من الخطوة نفسها».

معاقبة الشركاء

وأكّد الخبير الكولومبي «نيفوه» أنّ الصين ستتجاهل العقوبات الأميركية المعاد فرضها على إيران. ومن المرجح أن تستمر الشركات الأوروبية في مزاولة أنشطتها بإيران كما هي، وبغض النظر عن الخطوات التي يمكن أن تتخذها حكوماتهم إذا لم تستطع الحكومات الأوروبية إقناع أميركا بالتراجع؛ فسيتعيّن عليها اتخاذ إجراءات مماثلة لعقاب الشركات الأميركية العاملة لديها.

وتعتقد «سارة فاخشوري»، رئيسة شركة «إس في بي» للاستشارات في مجال الطاقة، أنّ إعادة فرض العقوبات على القطاع النفطي الإيراني سيكون أكثر إيلامًا لطهران من القطاعات الأخرى؛ ولهذا السبب ستحاول الشركات الأوروبية تخليص نفسها من إيران في أسرع وقت ممكن.

وبسبب وقوعهم تحت طائلة العقوبات من 2012 حتى 2015، فالشركات الأوروبية تعلّمت الدرس؛ ويبدو أنّها غير مستعدة لإعادة تكرار التجربة، بصرف النظر عن موقف حكوماتهم؛ إذ يبحثون حاليًا عن مصادر بديلة للنفط الإيراني، وباستثناء شركة النفط الفرنسية «توتال»، فباقي الشركات على استعداد للمغادرة؛ بالرغم من أنّهم ليسوا ملزمين بذلك قانونًا حتى الآن، مضيفة: أعتقد أنهم سيتهربون من إيران.

وأكّدت سارة أنّه قبل الاتفاقية الإيرانية في 2015 بذلت وزارة الخارجية الأميركية جهودًا كبرى لإقناع الشركات الأوروبية بوقف الاستثمار في إيران؛ والشركات التي لم تستجب طالتها العقوبات؛ لذلك من المستبعد أن تقف الشركات التي تستثمر في إيران حاليًا في وجه أميركا مرة أخرى، خاصة بعد تيقّنها من أنّ العقوبات بالفعل مؤلمة لأنشطتها الاقتصادية ولأرباحها.

وأضافت سارة أنّ أسعار النفط المتذبذبة كان لها دور أيضًا في أن تفضّل هذه الشركات الابتعاد عن إيران؛ فضعف الأسعار وانخفاضها المستمر أديا إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى السوق، فهم لا يرون فائدة كبرى في المخاطرة بالبقاء مع النفط الإيراني، لكن، في 2012، كان الوضع مختلفًا تمامًا؛ إذ كانت أسعار النفط مرتفعة للغاية، وكانت المخاطرة تستحق؛ بينما الآن لا تُحدث فرقًا كبيرًا.

أزمات داخلية

وعلى المستوى الداخلي الإيراني في العامين الماضيين بعد توقيع الاتفاق في 2015، لم تبذل إيران أيّ جهدٍ في سبيل تحسين بنيتها الاقتصادية، وفشلت في أن تجعل نفسها جاذبة للاستثمار، وافترض الساسة الإيرانيون أن تستميت عليهم الشركات العاملة لديهم إذا وُقّعت العقوبات. لكن، بمجرد تطبيقها في 2016، هربت معظم الشركات من أراضيها؛ باعتبار أنّ البقاء هناك رحلة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية الجمّة.

وترى سارة فاخشوري أنّ هناك سيناريوهين محتملين لنهج الاتحاد الأوروبي؛ الأول: التأكيد على التزامهم بالاتفاق رغم انسحاب أميركا وتقديم حوافز للشركات التي تستثمر في إيران حتى لا تنسحب؛ لكنّ هذا السيناريو بعيد إلى حدٍ ما. والسيناريو الآخر، المرجّح حدوثه، فهو تماشي الاتحاد الأوروبي مع أميركا فيما يتعلّق ببرنامج إيران النووي، لكن ليس فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ نفسه؛ وهو السيناريو الذي ناقشه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ترامب الشهر الماضي.

وحاول ماكرون أثناء زيارته أميركا أن يقنع ترامب بضرورة البقاء في الاتفاق، لكنه كان من الواضح أن ترامب يعاني من مشكلات جوهرية تخص الصفقة، ولم يكن بوسعه حلّها؛ لذا أعاد فرض العقوبات، وفور إعلان قراره بدأت «إسرائيل» في إطلاق الصواريخ ضد أهداف إيرانية في سوريا، في محاولة لاستفزاز إيران، لدفع العالم للاتحاد ضدها.

لكن، في النهاية، الشعب الإيراني وحده سيعاني من وطأة العقوبات الأميركية، وبصرف النظر عن القطاعات النفطية؛ فالقطاعات الخدمية خاصة المرتبطة بأعمال خارجية لن تستطيع مزاولة نشاطها بسهولة في ظل العقوبات، وهو ما سيؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الطبقات الوسطى والدنيا في إيران؛ لانعدام الوظائف والخدمات في ظل الارتفاع المستمر والمتواصل للأسعار، كما ستتعرض إيران لخطر الانزلاق في الفوضى.