شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

أكاديمي لـ«ميدل إيست آي»: طريق السلام في ليبيا يبدأ من «الدستور أولا» ثم الانتخابات

علم ليبيا المقر بعد ثورات الربيع العربي - أرشيفية

بعد الثورة الليبية في فبراير 2011 وسقوط معمر القذافي، أتيحت الفرصة أمام الليبيين لكتابة دستور جديد للمرة الثانية في التاريخ الحديث للبلاد، والمرة الأولى كانت عام 1951 عندما كانت ليبيا تستعد لتصبح دولة مستقلة بعد 33 عامًا من الاستعمار الإيطالي وسبع سنوات تحت الإدارة البريطانية والفرنسية المشتركة.

وكلّفت الأمم المتحدة عام 1949 الدبلوماسي الهولندي الشهير أدريان بلت مفوضًا كبيرًا لليبيا ومشرفًا على إقامة دولة مستقلة، وساعد في صياغة الدستور الليبي، مقترحًا صياغته من لجنة مكونة من 60 عضوًا؛ بواقع 20 من كل منطقة من المناطق الليبية الثلاث.

واُتُّفق على صياغة الدستور بالفعل وشكل الدولة الليبية: فيدرالية مشتركة، وأُعلن الاستقلال رسميًا في 24 يناير 1951. وفي عام 1963، عُدّل الدستور وألغي النظام الفيدرالي، وأصبحت ليبيا دولة موحدة تديرها مؤسسات سياسية، من برلمان ومجالس حكم؛ واستمرّ النظام الملكي الدستوري 18 عامًا فقط. وبعد وصول القذافي إلى السلطة على رأس انقلاب في 1969، ألغى على الفور الدستور وجميع المؤسسات السياسية المتقدمة المُنشأة بعد الاستقلال.

وعلى مدار 42 سنة من الحكم الاستبدادي للقذافي، تضاعف عدد السكان الليبيين من ثلاثة مليون إلى ستة ملايين نسمة، ونشأت أجيال دون أيّ وعي ثقافي أو بالخطاب الدستوري والديمقراطي.

ووسط كل هذا، وجد الليبيون أنفسهم في 2014 يواجهون الفرصة والتحدي لوضع دستور جديد للمرة الثانية؛ وهذه الوثيقة ستكون بمثابة عقد اجتماعي يضع أسس نظام سياسي ديمقراطي جديد.

وبعد كثير من التأخير والمناقشات والجدل، وافق البرلمان الانتقالي الجديد في ليبيا على تشكيل جمعية لصياغة الدستور مكونة من 60 عضوًا، محاكية لما حدث في 1951. لكن، في هذه المرة، سينتخب الشعب الليبي الأعضاء مباشرة؛ وبالفعل جرت انتخابات هيئة تنمية المجتمع في فبراير 2014، وكان تفويضها 18 شهرًا؛ لكنّ الأمر استغرق أكثر من ثلاث سنوات للاتفاق على مسوّدة الدستور.

وصوّتت الجمعية مؤخرًا على مشروع جديد في يوليو 2017 بأغلبية 43 صوتًا من أصل 60؛ أي أكثر بقليل من أغلبية الثلثين المطلوبة. واعتبر مراقبون التصويت إشارة إلى إجماع ضئيل داخل هيئة الصياغة نفسها، وكان بمثابة أوّل تحدٍّ لشرعية الوثيقة الجديدة، وقاطع التصويت تسعة أعضاء من شرق ليبيا وخمسة من الجنوب؛ مدّعين أنّ مسودة الدستور لم توزع السلطة أو الثروة بشكل عادل، ولم تعترف بحقوق الأقليات.

ولم تسر جلسة التصويت بسلاسة، كما هدد مسلحون أعضاء الجمعية إذا فشلوا في تبني تغييرات معينة.

العقبات الكبرى المقبلة

وبعد التصويت، رفع معارضون دعاوى قضائية أمام محكمة إدارية في مدينة البيضاء، التي حكمت بأنّ التصويت باطل؛ لأنه لم يُعقد في يوم عمل، وكان في عطلة نهاية الأسبوع؛ لكنّ المحكمة العليا بليبيا ألغت هذا القرار في فبرارير من العام الجاري، مؤكدة أن المحكمة الإدارية ليست لها ولاية قضائية على مسائل سلطة الائتلاف المؤقتة.

هكذا تناول السياسي والأكاديمي الليبي «جمعة الجمعاتي» تحليلًا للمشهد الليبي في مقاله بصحيفة «ميدل إيست آي» وترجمته «شبكة رصد». مضيفًا أنّه ينبغي أن يمهّد حكمُ المحكمة العليا، من الناحية النظرية، الطريق للمرحلة القادمة من تبني مسودة الدستور؛ بحيث تُعرض على الناخبين الليبيين لإجراء استفتاء كي يصبح الدستور الجديد ملزمًا. لكنّ هناك عقبات رئيسة أخرى.

ورحّبت جهات فاعلة، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة، بحكم المحكمة العليا؛ معتبرينه خطوة إيجابية نحو الأمام، وطلبت من مجلس النواب في طبرق إصدار قانون استفتاء للمشروع الجديد.

لكنّ 18 عضوًا من شرق ليبيا رفضوه، وقالوا في بيان إنّ «حكم المحكمة العليا غير صحيح على الدستور. لذلك؛ قررنا نحن النواب عدم الاعتراف بصياغة الدستور المجسم». وهؤلاء الرافضون لإصدار قانون الاستفتاء يريدون العودة إلى النظام السياسي الفيدرالي عام 1951.

بينما يقترح برلمانيون آخرون، من شرق ليبيا أيضًا، ألا يُجرى استفتاء في جميع أنحاء البلاد باعتبارها دائرة انتخابية واحدة؛ بل في تصويت فردي بين الدوائر الانتخابية الثلاث، وهو ما سيسمح لمنطقة واحدة باستخدام حق النقض ضد المسودة؛ حتى إذا صوتت الأغلبية بـ«نعم».

واقترح مراقبون دوليون طريقة للحدّ من مقاومة مشروع الدستور؛ تتمثل في إلغاء سلطة الائتلاف المؤقتة، الحكم الذي يمنع أيّ تعديلات في السنوات الخمس القادمة بعد أن تصبح مسودة الدستور سارية المفعول؛ ما يجعلها مفتوحة للمراجعات والتعديلات بمجرد انعقاد برلمان جديد ودائم في ليبيا.

حملة «الدستور أولا»

أقرّت الأمم المتحدة مؤخرًا مبعوثها الخاص إلى ليبيا «غسان سلامة»، واتُهم بـ«المساعدة في إجراء الانتخابات في ليبيا بنهاية هذا العام». ومن الناحية المثالية، ستكون هذه الانتخابات تتويجًا لاعتماد دستور ديمقراطي حديث جديد في البلاد لأول مرة منذ عقود.

ويعتقد كثيرون أنّ إجراء الانتخابات قبل اعتماد دستور جديد سيؤدي إلى إطالة المدة الانتقالية وسريان حالة من الشك؛ بما يأتي معها من اضطراب سياسي وصراع مسلح.

واكتسبت حملة «الدستور أولا» رواجًا شعبيًا على وسائل الإعلام الاجتماعية في ليبيا؛ مطالبين بوقف إجراء انتخابات حتى اعتماد دستور جديد، ويزعم البعض أنّه لا يمكن صياغة دستور جديد بينما يعاني البلد من استقطاب سياسي، وتفتقر للبيئة الأمنية المستقرة.

من ناحية أخرى، التوصّل إلى حد أدنى من الإجماع على دستور جديد سيوحّد الأغلبية الساحقة من الليبيين على شرعية سياسية واحدة، ويحلّ محلّ كل الشرعيات الفرعية التي تشكّل الصراع المستمر في البلاد.

أو كما قال مراقب، فالدستور المعتمد قبل يوم الانتخابات سيؤدي إلى تمهيد الطريق لحل الاضطرابات الليبية، والإجماع الإقليمي والدولي والإرادة السياسية لليبيين سيساعدان في تحقيق دستور من شأنه أن يوفّر إطارًا لنظام سياسي مستقر دائم جديد، يمكن تعديله وفقًا لذلك مع تقدم البلد إلى الأمام.



X